|
| |
السلطان في متاهته: أو أخبار وتاريخ الملك محمد بن عبد الله لجورج هوست ..
|
2003/12/10
الرباط ـ القدس العربي ـ من عبد الكريم جويطي: صدر عن منشورات كراس المتوحد كتاب يخص بالدرس عقلية احد سلاطين المغرب هنا قراءة في له، رغم طابعة المذكراتي وعنايته اساسا بالتأريخ للعلاقات التجارية والسياسية التي ربطت المغرب بالدول الاوروبية وخصوصا الدنمارك، ابان حكم السلطان محمد بن عبد الله، ورغم لغته الأقرب الي حياد التقارير الادارية، ورغم ايراد مقتطفات كثيرة من الرسائل الدبلوماسية التي تبادلها السلطان مع ملوك اوروبا، ورسائله الي القناصل وموظفي المخزن، مما يجعل كتاب نائب القنصل الدنماركي بالمغرب جورج هوست اقرب الي كشف خدمة لموظف سامي في الدوائر المخزنية، فان الكاتب وبين ثنايا هذه الوقائع الادارية توفق كثيرا في رسم بورتريه نافذ لملك كبير ولأمة عريقة في احدي احلك فتراتها التاريخية.
انها تراجيدية شيكسبيرية لملك ممتلئ بالكبرياء والانفة، يحس في كل لحظة بأنه مؤتمن علي مجد وعظمة كبيرين، ويحاول بكل ما اوتي من حنكة ودهاء وصلابة ان يوقف انحدار الامة الي مهاوي الانكسار والاذلال. ملك كان عليه ان يحارب وطيلة مدة ملكه الطويل، لحظة ـ لحظة، ليس فقط الاطماع الخارجية وصورة لمغرب وهن بدأت ترتسم في الافق، بل وايضا بلد يتآكل باستمرار تحت اقدامه وان يزحف وبجيشه طولا وعرضا في البلاد وبلا كلل ونحو الثغور المحتلة، نحو القبائل المتمردة نحو ولاة خذلوا ثقته نحو فوق عاصية من جيش العبيد نحو ابناء واقارب قلبتهم شهوة الحكم عليه حتي ان حياته استحالت حربا دائمة ضد الكل هل نلوم في هذه الحالة السلطان اذا جمع في سلوكه قسوة وعنفا جهنميين الي جانب حلم وطيبة تصل حدود الملائكية؟! اذ كان ورعا تقيا لا يجاريه في تقواه وتدينه بعض رجال الدين وفي الان نفسه برغماتيا يتلون مقتضيات الظروف السياسية؟ لا يخفي جورج هوست اعجابه الشديد بالسلطان محمد بن عبد الله وتعاطفه معه وليس مرد ذلك في اعتقادي فقط الي العلاقة الحميمة التي ربطته بالسلطان ولعل النص التالي يبين عمقها اجابه القنصل (كوستروب) انه لم يتوصل بتعليمات فيما يخص المنزل المذكور اما بالنسبة لهوست فهو من جالية الدنمارك سمح له مؤخرا بالعودة الي الدنمارك. رد عليه محمد (السلطان) بحدة يجب ان يفرغ من بناء المنزل اما هوست فهو ليس فقط ليس نائبا للقنصل بل هو ايضا صديق للسلطان، ويمكنه البقاء ان رغب في المنزل وينهي بناءه(ص27) ولا لتفضيل السلطان وايثاره لرعايا ومصالح الدنمارك علي كل رعايا ومصالح الدول الاوروبية الاخري واعتباره الدنمارك حليفا استراتيجيا له الاولوية في المعاملات المغربية، بل لفرادة خصال السلطان وحنكته السياسية التي مكنته من حكم البلاد اربعين سنة هدد في عرشه باستمرار كان سلوك السلطان مزيجا من الاستعدادات الفطرية الجيدة والخصائص النفسية المصقولة بتراكم كبير للخيبات والانتصارات المؤقتة والتقلبات المفاجئة للاوضاع وللأشخاص. وفي خضم دأب يومي علي البقاء حافظ السلطان علي:
ہ احساس دائم بأنه يقود امة عظيمة ذات هيبة دولية وتجب معاملتها علي هذا الاساس وهو تجسيد ورمز لهذه العظمة وكل رعاياه وبدون استثناء امانة في عنقه ويجب حفظ حقوقهم وكرامتهم.
وكان يفتدي الاسري المغاربة مهما كلفه ذلك. ويؤمن طريقهم الي الحج، بل انه لا يتواني في الاقتصاص لهم بكل حزم وحدة، كما يظـهر هذا النــــص نقل الحدث الي محمد بطريقة مغايرة لما وقع بالفعل قيل له ان النصاري (ثلاثة انكليز من تجار الصويرة خرجوا للسيد) هاجموا سكان القرية فهشموا اسنان امرأة وكسروا ذراع اخري. امر السلطان وقتها بأن يتم اقتيادهم مكبلين بالاغلال الي القصر، وبينما الناس يتفرجون امر بعض الجنود بان يبطحوا سيكا ارضا ويضربوه بالعصا، ثم وضعت الاغلال من جديد في ايديهم. تم استدعاؤهم في اليوم الموالي فأمر حدادا بأن يخلع اسنان لييطون بملقط وترسل الي المرأة العربية التي فقدت اسنانها..(ص233).
ہ التزام شديد وطيلة حكمه بالبساطة في المأكل والملبس وتشبث قوي بتعاليم الاسلام كتحريم شرب الخمر والمجون، ولم يتعصب ابدا لموقف وقـــــه او قرار اتخذه. تبين خطأه مرارا واعتذر عنه واصلح ما اقترفه.
كان للاخلاق مكانة كبيرة في مفهــــومه للممارسة السياسية مما اضطره احيــــانا وبوازع ديني او اخلاقي لاتخاذ مواقف ضـــــد مصالحه (موقــــــفه من الطاعون القادم من الجـــــزائر حين طالب القــــــــناصل بأن يتخذ الاحتيـــاطات اللازمة بما فيها عزل القادمين من الجزائر فرفض ذلك (ص 116).
ہ جنوح استراتيجي نحو السلم. رغم ان السلطان خاض ما لا يحصي من حروب مضطرا، فانه كان يؤمن بأن الحرب امر لا ترجي منه فائدة ص 130 كما قال في رسالة الي ملك الدنمارك كريستيان، ولا تترتب عليها الا المصائب. وبما ان الغاية من الحرب هي تحقيق مكاسب سياسية فانه كان يفضل الوصول اليها عن طريق الحوار الدبلوماسي المبطن احيانا بتهديد باعلان الحرب لاجبار الخصم علي التنازل دون ان يفكر جديا في القيام بذلك. غير انه وفي الامور الداخلية كالعصيان والتمرد كان يميل للضرب بقوة وقسوة احيانا مدركا ان استمرار ملكه رهين بدرجة الهيبة والخوف التي يستشعرها خصومه ازاءه: رفضوا (سكان منطقة مسيوة دفع الواجبات المضريبية وقتلوا القائد. تظاهر محمد بعدم اهتمامه بالامر فاعتقــــــد هؤلاء انه يمكن ان يغفر لهم جرمهم لو قدموا هدايا. وقد تم افهامهم بذلك فعلا. اجتمع مئة وستون رجلا من منطقة ام السفينة ومثلوا امام محمد في قصر مراكش. امرهم ان ينتـــظروا حتي يفرغ من صلاته... رجع بعد ان فرغ من الصلاة الي ساحة القصر ممتطيا جواده ولما وصل تسلم الـــــهدايا منهم. وطلب رمحا فأغمده في زعيمهم وأرداه قتيـــلا ورمي الحرس البقية بالرصاص ص 19. هذه الخصال وغيرها هي التي اهلت محمد بن عبد الله ليكون سلطانا فذا مهاب الجانب ودفعته لا الي ادارة ازمات الحكم بكفاءة عالية فحسب بل والي ارساء دعائم دولة حديثة اجهضتها الظروف الداخلية والخارجية المحيطة خطوطها الكبري.
ہ جيش قوي ومنظم ومسلح بكيفية جيدة يتلقي اجوره وكسوته في حينها. استغل السلطان حاجة الدولة الاوروبية الي تحقيق هدنة دائمة مع المغرب لتأمين خطوط تجارتها البحرية وبدأ يفرض عليها تقديم هدايا له علي شكل مدافع وقنابل وبنادق. وبدهائه الشديد جعلها تتنافس في ارضائه بالاسلحة والي جانب هذا كان يدرك ان القوة البحرية هي التي ستفصل في اية معركة قادمة مع الدول الاوروبية. لذلك بني باستمرار السفن الحربية وجهزها بالمدافع واصلح المتهالك منها.
ودرب الجيش بما فيهم ابناؤه علي الرماية. وحافظ علي فكرة السلطان اسماعيل القاضية بتوزيع حاميات عسكرية من جيش العبيد علي المناطق الحساسة بالمغرب. ورغم ان بعض هذه الحاميات دخلت في المراحل المتأخرة من حكمه في صراعات وراثة الحكم في تمرد القبائل فانه كان يعاملها بحلم وذكاء كان محمد محتاجا الي جيشه الاسود فهو لو عاقب المذنبين هم وشركاءهم العقاب الذي يستحقونه فذلك يعني ان يبيد تقريبا معظم فيالق جيشه ص 84 تنظيم التجارة الخارجية وفق قوانين محددة. لانه كان يدرك ومبكرا بان طريق الشهرة والغني يحصل بفضل التجارة العالمية ص8 فقد رفع من الرسوم الجمركية وحارب التهريب وفوض استغلال موانئه لمستأجر ما يدفع مبلغا من المال دفعة واحدة بحسب عقد الايجار عوض انتظار عوائد يومية ينبغي ان تخضع للمراجعة والمراقبة. وحرص علي ان تربطه ببعض الدول الاوروبية معاهدات تجارية تحدد حقوق وواجبات كل منهما.
ويمكن اعتبار بعض هذه المعاهدات صيغا رائدة في تأسيس ما يعرف الان بالقانون الدولي. ولدعم التجارة الدولية والتحكم فيها بني مديـــــنة الصويرة واختار لها موقعا جيو استراتيجي بعيدا عن منطقة جبل طارق المضطربة وحفز القناصلة والتجار بعدة تسهيلات علي الاستقرار فيها سمحت هذه المركزة للنشاط التجاري بمدينة الصويرة للسلطان بالحد من التهريب ورفع الايرادات ومراقبة الحركة التجارية.
جملة يمكن القول بأن الاهمية البالغة لكتاب جورج هوست تكمن في كونه وثيقــــة تاريخية غيرية هامة جدا عن مرحلة من اهم مراحل التطور التاريخي للمغرب. وثيقة صيغت بطريقة واسلــوب يمنح الكتاب امكانية قراءته كرواية تاريخية تزاوج بين المتعة والافادة، ويرجع الفضل حتما للمترجمين عبد الغفار سويريجي وسليم رشاد في تقديم هذا النص لقراء العربية سلسا، دقيقا، ومتلاحما، كأنه لم يبرح لغته الاولي.
|
|
|
|
| |
|

|