|
| |
تجرأوا على الخطابة باسم الدعوة وتجاسروا على الإفتاء باسم الخطابة ...!!
|
عن موقع : ( عرب أندلسيا .كوم )
13 - 4 - 2004
في البداية، كانت أصوات مشرقية، تأتي إلى المغرب في أشرطة صوتية ومرئية، تباع قرب أبواب المساجد المزدحمة بالمصلين عقب الصلوات الخمس المفروضة، أو بعد انقضاء صلاة الجمعة في المنابر التي يلقي فيها الخطبة وعاظ » شعبيون«، أو بين العشاءين بمحاذاة المساجد التي تشهد دروس وعظ بخلفية وهابية، أو خلال صلوات التراويح في رمضان، عندما يقبل المواطنون على الصلاة خلف قراء يجيدون ترتيل آيات الذكر الحكيم. أطفال ومراهقون يتنافسون على اقتناء أشرطة صوتية لا تتجاوز أثمنتها عشرة دراهم، أو أخرى مرئية تكترى بثمن الأولى، يصغون إليها باهتمام شديد وحماس كبير، يحفظون مقاطع من خطب » شيوخ« و » علماء«، يعتبرونها الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، يؤسسون بها الحقيقة الوحيدة التي يعرفونها، فأم كلثوم كافرة، لأنها قالت » أروح لمين أروح لفين« فرد عليها كشك :» حتروحي لجهنم«، والتدخين حرام، لأن الفقيه الفلاني اعتبره من الخبائث، والله يقول :» يحل لكم الطيبات ويحرم عليكم الخبائث«، والشيخ محمد متولي شعراوي كافر، لأنه تجرأ وقال للسادات :» لو كان الأمر لي لجعلتك في المكان الذي لا تسأل فيه عما تفعل«، والوحيد الذي لا يسأل عما يفعل هو الله. أليس الله يقول :» لا يسأل عما يفعل وهم يسألون«. تتكرر هذه المشاهد مع كل جيل، ومن بلد إلى بلد، ويأخذ الصبية من أدعياء العلم أفكارهم ونمط تفكيرهم وأساليب حديثهم وإلقائهم. يرثون عنهم، فضلا عن اتهامهم الدائم للخاص والعام من الناس، تبادلهم للتهم فيما بينهم، فالشيخ زحل رجل مبتدع، لأنه صلى بالناس في مسجد الشهداء، وبين المسجد والقبلة مقابر، والنبي يقول :» لا تجعلوا مساجدكم مقابر«، وصاحب هذا الإتهام، في رد الشيخ، مجرد » كسال في الحمام«، لأنه أسود البشرة، ومحمد الفيزازي، في اعتبار المغراوي، ليس على شيء من منهج السلف الذي يزعم أنه يتبناه، والمغراوي مجرد مدع كذاب، في رد الفيزازي، لأنه فار من حد من حدود الشريعة، بسبب قذفه لفتاة أيام كان مدرسا بالمملكة العربية السعودية. ولما رأى الصغار أن كبارهم تجرؤوا على مكانة العلماء المهيبة بالقليل الذي يعرفون، دون أن يجلسوا إلى علماء القرويين أو الأزهريين، وأن بعضهم تجرأ على أعراض بعض، ناسين وصية النبي في حجة الوداع الذي حرم الأنفس والأموال والأعراض، وأنهم تجرؤوا على أحكام الدين يؤولونها بتأويلات انتزعت من الكتب الصفراء انتزاعا، مبثورة عن سياقها وزمانها، تجاسروا هم أيضا على الخطابة باسم الدعوة، وعلى الإفتاء باسم الخطابة. وهذه نماذج من سلوك وفكر طائفة من أدعياء العلم هؤلاء، الذين تتحلق حولهم جموع من الأميين والبسطاء، يحسبون تكرارهم لآيات قرآنية وأحاديث نبوية، يخفي ما يعانونه من جهل فاضح. أسهل طريق للإغتناء تسجيل أشرطة كاسيت أثناء مواصلته لدراسته بإحدى ثانويات درب السلطان ، كان يبدي ازدراء شديدا وتأففا ظاهرا من المحاضرات والدروس التي تلقى على هامش المقررات الدراسية، في إطار البرامج الثقافية للمؤسسة، ويتوعد بأن يقدم نموذجا مختلفا. فقد كان يدمن على الإنصات للأشرطة القادمة من الشرق العربي، يحفظ ما تتضمنه من أحاديث، ويحفظ أيضا أسلوب الإلقاء، الملئ بالإثارة والتعنيف. بدأ بحضور مجالس الوعظ ومخالطة الوعاظ، ينتقل برفقتهم من مسجد لآخر ومن وليمة لمأتم فعقيقة، يقلدهم في لباسهم، فيرتدي الجلباب ويضع على رأسه طاقية وينتعل » بلغة« مشرقية، ويحاكيهم في ترديدهم للنصوص الدينية اعتقادا منه أن المعنى الذي يلبسونه للنصوص هو المعني الحقيقي والوحيد، لكنه كان يحس أن هؤلاء أضعف معرفة بالدين من المشارقة، وأن لغتهم مترهلة فيما يملك المشارقة ناصية البيان، فصار يردد كلامهم في لقاءاته بأصدقائه وزملائه في الحي وداخل الفصل الدراسي. سوف يذكر الذين يعرفونه أنه سعى إلى بعض أهل العلم الحقيقيين بغية التتلمذ على أيديهم كما يفعل المشارقة، لكن هؤلاء ردوه بالحسني، ربما لأنهم يدركون أن العلم ينبغي أن يؤخذ من منابعه وبطرقه المعروفة، أو لأن فراستهم أنبأتهم بالغاية التي يتوخى هذا الشخص استخدام القليل من المعارف الدينية التي يحصلها فيها. من أغرب ما صادفه هذا الشخص تمكنه من استمالة سيدة كانت تدرسه، وإقناعه لها بالزواج منها، لكن بعد انتهاء لحظات الإشتهاء وتلبية الرغبات الجنسية، ستكتشف أن الكلام الكبير الذي كان يلقيه على سمعها، كان مجرد استظهار لما يسمع، وأنه لايزال طفلا ، بالمعنى الصغير، وليس بالمعنى البريء. سيحكي الجيران أن حياة السيدة تحولت إلى جحيم حقيقي لا يطاق. سيهتدي إلى طريقة للإغتناء، تتمثل في عقد صفقات مع عدد من شركات التسجيل، التي تقوم بتسجيل خطبه العصماء، في استديوهات مكيفة، بعيدا عن مشاهدة المستمعين من بسطاء الناس، يستظهر فيها بحماس متصنع عددا من الخطب عن تكفير تارك الصلاة وعن عذاب القبر وعن الجحيم المقيم الذي لن ينجو منه المنحرفون، مقابل ملايين تدرها عليه الأشرطة. في مقال سابق، تعرضنا لنموذج آخر من هؤلاء العلماء، الذين يدعون الإنتماء للسلف، لكنهم ينتهجون في سلوكهم ما يخجل منه السلف لو سمعه. جهل بالدين وإفتاء بغير علم ينتقي لباسه بعناية » فائقة«، يعلو رأسه طربوش أحمر من تلك الطرابيش التي كانوا يسمونها طرابيش الوطنيين، وينتعل » بلغة « صفراء لم يذهب مجيئه وذهابه بنضارتها، ويحب أن يدخل المسجد بجلباب وقميص أبيض، ويسدل لحيته حتى توشك أن تلامس صدره، ويحرص على تمرير راحتيه المبللتين بعطر » المسك« على وجهه. يملك ذاكرة قوية تسعفه ليحفظ عشرات الآلاف من الأحاديث النبوية عن ظهر قلب، لكن أهل العلم يجزمون أنه يحفظ المتون متداخلة، ويحفظ دون أن يعي مايحفظ، فجهله التام باللغة العربية وبأبسط المعارف الدينية أسقطه في تأويلات وتفسيرات وفتاوى مضحكة، فقد روي أنه مرة دعا إلى اعتبار صلاة التراويح التي يؤديها المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها كل يوم من أيام شهر رمضان بعد صلاة العشاء بدعة، استنادا إلى حديث يقول: »والتي ناموا عنها خير من التي قاموها«، فاستنتج أن الذين ناموا ولم يصلوا خير من الذين قاموا وأدوا الصلاة، بينما يتطرق الحديث لنوعين من الصلاة وليس لنوعين من المصلين، أي الصلاة التي تكون قبيل الفجر خير من تلك التي تكون بعد صلاة العشاء. يحكي الذين شهدوا ميلاد نجم صاحب المهابة أنهم عرفوه أول الأمر بمسجد ضيق أسفل إحدى الدور بحي من الأحياء القريبة من المجزرة القديمة لمدينة الدار البيضاء، كان يلقي دروسا في الوعظ على مسامع شباب ومراهقين متعطشين لمعرفة ماخفي عليهم من دينهم، فراجت فكرة توسيع المسجد أو بناء مسجد جديد يتسع للأعداد المتزايدة من المصلين، فتقاطرت على الشيخ أموال الطامعين في أن يبني الله لهم بيتا في الجنة جزاء بنائهم بيتا من بيوته في الدنيا. فلما أصبح المبلغ جاهزا، استعاد صاحب الدار محله الذي وهبه من قبل للصلاة، فانفض جمع المصلين ورحل الشيخ بما تجمع لديه من أموال إلى حي بعيد، اشترى محلا تجاريا وأقام فيه تجارته، وتوقف عن الوعظ إلا ما كان في ولائم يقيمها أصحابه ومريدوه، الذين يتحلقون حوله حيثما حل أو ارتحل، يتبعون فتاويه، ولايصلون إلا خلفه أو خلف من يقبل الصلاة وراءهم من أئمة المساجد، يكرمون نزوله في بيوتهم بما لذ وطاب من الأطعمة والمشروبات، ويحفظون حصته من الماء المعدني الطبيعي، فهو لايشرب ماء الأنابيب. ويأسف العديدون لسماع فتاويه في عدد من القضايا المصيرية التي ترهن مستقبل أسر بكاملها، فهذا جاء يستفتيه في زوجته تاركة الصلاة أو التي ترفض أن ترتدي الحجاب، هل يجب أن يطلقها، فينطلق لسان »الفقيه« دون تردد »طلقها«!، ليعبث بمصير أسرة بكاملها لمجرد نطقه سفها بكلمة لايعلم موقعها من نفسية رجل أمي يعتقد جهلا أن ماينطق به »الشيخ« هو حكم الدين. ويجتمع حوله جمع يسير من المريدين، الذين توحي بشرتهم السوداء بأنهم ينحدرون جميعا من الأقاليم الصحراوية، أميون موغلون في أميتهم الأبجدية، غلاظ يمتهنون الحرف اليدوية كالنجارة والحدادة والصباغة، يعتقدون في أقوال شيخهم اعتقادا أعمى كأنها وحي يوحى، ولايلقون بالا لما يبديه غيره من الآراء أو الإجتهادات أو القناعات، بل يخوضون حروبا كلامية شعواء ضد من يخالفهم ويخالف شيخهم الرأي . فقد خاضوا حربا ضروسا ضد شيخ آخر كالشيخ زحل نظرا لقبوله الصلاة بالناس في مسجد الشهداء الذي بناه الكتاني، استنادا إلى حديث يقول » لاتجعلوا قبوركم قبلة«، معتبرين أن معنى الحديث أن لاتجعلوا بينكم وبين القبلة مقابر، ومادام الجزء الأيمن من المسجد يحاذي المقبرة، فإن الصلاة فيه لاتجوز، ونشبت أثناء هذا الجدل حرب كلامية بين الرجلين، تعززت بحرب أشرس بين مريدي الرجلين، روي فيها عن الشيخ زحل وصفه لصاحبنا ب»الكسال«. ويقدمه أحد مريديه السابقين في صورة أبعد ماتكون عن كبرياء العالم وهالة الواعظ: »كنت قد تعرفت عليه للتو، وقبل أن أتبين إلى من أجلس، قلت له إنني أرى من الواجب أن تكون لرجال الوعظ صورة أفضل من مجرد زعماء جماعات غير منظمة يقضون جل وقتهم في التنابز بالألقاب، فانتفض من مكانه كمن صعق، وجحظني بعينين يتطاير منهما الشرر، وقال إنك جزء من مؤامرة ضدي يقودها عبد الكريم مطيع والشيخ زحل، فأدركت حينها أن مفاسد صحبة أمثال هؤلاء أكبر من منافعهاإذا كانت لها منافع«.
المختار عماري
|
|
|
|
| |
|

|