• تقام صلاة الجمعة بمسجد الملك عبد العزيز آل سعود بماربيا إبتداء من الساعة الثانية والنصف زوالا صيفا وشتاء       • الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية المغربي المعارض يصدر وثيقة نقد ذاتي ... وتعليق قصير ...       • ( المغرور من غررتموه ) ... و اشهر شاعر مصري معاصر يهجو مبارك ,,,       • مريانو راخوي رئيس الحكومة الإسبانية يدعو الاتحاد الأوروبي إلى تجديد اتفاق الصيد مع المغرب ...       • افتتاح معرض القاهرة للكتاب يوم الأحد الماضي ( 22/01/2012 ) ...       • الثلوج تشل قسماً كبيراً من أوروبا ...       • الاسد ينفي مسؤوليته عن اعمال القمع: اي قيادة تقتل شعبها مجنونة ... وتعليق قصير للكاتب : الحسين بنمنصور ...       • اول محاكمة لـ41 من انصار القذافي في بنغازي ...       • امعهد استراتيجي ينصح مدريد بمنح وضع قانوني للجزر المتنازع عليها مع الرباط لمواجهة المطالب المغربية باستعادتها...       • سباق سعودي - قطري لاحتضان مفاوضات بين طالبان والحكومة الأفغانية...       • أكبر كتلة في البرلمان الأوروبي تنتقد القانون الفرنسي حول الأرمن ...       • طبيب إماراتي يكتشف تقنية تعالج الإدمان ...       • إسبانيا تطرح سندات بـمليارات من اليورو ...       • حسين سالم يهدد مبارك بالمشنقة...       
    هجرى www.imtidad.com Martes 07 Febrero 2012
الذكر الحكيم
الحديث الشريف
السيرة النبوية العطرة
ركن الفتوى بإشراف فضيلة الشيخ علال بشر الإدريسي
خطبة الجمعة
دعاء اليوم
الأسلام والمجتمع
أخبار تهمك :
الأسلام فى الأندلس
مكتبة الأمير فهد بن سلمان آل سعود
مجلات إسلامية
مواقع إسلامية
صداقة و تعارف
كتاب صدر....
كتب للتحميل (جديد)
الرأى الآخر
كلمة الموقع
لمراسلة الموقع
من الحكم التي لاتنسى
فن التجويد : ( كيف نقرأ القرآن ) ...
أوقات الصلاة لمربيا وضواحيها ...
البريد الإلكتروني للإتصال بالموقع ...
الدليل الشامل لدور القران بالمغرب ( تجده في ضغطك على موقع المغني : www.almorni.com/index ) ...
مواقف :


 

الشيخ عبد الكريم مطيع : الحركة الإسلامية المغربية نشأة وتطورا : (1-2-3-4)


(الحلقة الأولى)

المشهد السياسي في المغرب
رصد لواقع الحال واستشراف للمآل

المرء يولد ثم يشب ويعرب عن نفسه سفيها أو عاقلا، بشرا سويا أو بهيمة على قدمين، وحينئذ يعرف من هو...

جرو الأسد وجرو الكلب متشابهان في أول خلقهما، فإذا شبا عن الطوق تميز كل منهما عن الآخر، ببروز صفات" الأسدية " في الأول وصفات "الكلبية" في الثاني.

قد يطلق المرء لقب "إنسان " على جروٍ مَّا، ولكن هذا لا يغير من الطبيعة الحيوانية التي خلق عليها وجبل من أجلها، فإذا شب ظهر على حقيقته ضبعا أو ذئبا أو خنـزيرا...

كذلك الأحزاب السياسية، قد تضفي على نفسها صفة " الإٍسلامية " أو " الماركسية " أو " اللبرالية "، تفاؤلا أو أحلام يقظة أو نفاقا ونصبا وتدليسا؛ لكن حقيقة أمرها لا تظهر إلا بعد أن يَتَـتَامَّ بناؤها ويكتمل منهجها وتبرز تصرفاتها ميدانيا وعلى صعيد التعامل مع تطورات الأحداث ومعالجة الِشؤون الخاصة والعامة. حينئذ تنكشف حقيقة هذه الأحزاب تمثيلا داخل الأمة وتمثلا للشعارات المرسومة، ووفاء بالوعود المعطاة والأهداف المعلنة.

كذلك الدولة... أي دولة، قد تطلق على نفسها صفة " الإسلامية " أو " الاشتراكية " أو " القومية " أو " الوحدوية "، ولكن الممارسة اليومية ومنهج السير العام والتعامل مع المستجدات والتطورات والمواقف، ومعالجة التدبير العام إدارة وتعليما واقتصادا وسياسة وإعلاما وعدالة ومساواة...تكشف حقيقة دعوى الإسلامية أو الاشتراكية أو القومية أو الوحدوية.

إننا لا نستطيع عقلا ومنطقا وشرعا أن نطلق على الخنزير اسم " خروف " ليصير حلالا، ولا على الفاحشة اسم " زواج " لتصير مباحة، ولا على الخيانة اسم " مصلحة " لتصير جائزة

من هذه الزاوية وهذا المنطلق نلقي نظرة رصد واستشراف للمشهد السياسي المغربي حالا واستقبالا، فنسمي الأشياء بأسمائها ونصفها بما خلقت عليه ومن أجله.

على أننا في رصدنا واستشرافنا لا نتهم هذه المؤسسات السياسية عامة أو شبه عامة، بالكذب والنفاق والنصب عندما انتحلت ما انتحلت من صفات سجلتها في وثائقها الرسمية وجاهرت بها في المحافل العامة، ولا نعيب عليها أنها تطلعت يوما ما إلى أن تكون على تلك الصفات التي انتحلتها. إلا أن الأماني وأحلام اليقظة إذا تجاوزت المخيلة إلى التوثيق الرسمي والالتزام العلني تضع صاحبها الذي لم يستطع بلورتها في واقع سيره وبرامج عمله وميدان إنتاجيته بين اتهامين لا ثالث لهما:

تهمة الكذب والنصب والتدجيل.

أو تهمة الجنون والسفه.

وكلا التهمتين نحاول أن نقنع أنفسنا بأن هذه المؤسسات بريئة منهما.

على الصعيد الحزبي بدأت الحكاية في مغرب الاستقلال بالشعارات الاشتراكية والشيوعية التي زرع خميرتها في عهد الاستعمار الفرنسي كل من اليهوديين مازيلا وميتر سلطان، ورعاها في عهد الاستقلال كل من اليهوديين أسيدون صهيون وبراهام سرفاتي، متخذين من طموحات المهدي بن بركة العمياء وعلى يعطة الانتهازية ترسا وحصان طروادة. ثم وظفت هذه الشعارات لتجييش فقراء الأمة ومستضعفيها من أجل قدح زناد الصراع الطبقي للوصول إلى ما دعي " ديمقراطية البروليتاريا الموجهة "، أو استبداد الحزب الشيوعي الواحد كما هو مرسوم لنهاية المسيرة. ثم اتخذت لتحقيق هذه الغاية عمليات انقلابية ومحاولات تمرد منظمة لا يعنينا في هذه العجالة مدى خطئها وصوابها، أو نجاحها و فشلها بقدر ما يعنينا مدى صدق القائمين بها وعليها. وكمثال بسيط على ذلك لم يسبق أن رأينا أحد رواد هذا الاتجاه يعيش بساطة الرجل العادي البسيط المتواضع، أو " البروليتاري " الكادح، إلا عندما يريد أن يلقي خطابا في محفل شعبي أو يظهر في جمع عام، ولا تسأل عن معيشتهم في القصور والخمور والمفاسق والدعارة والفجور؛ مما أثار سخرية النصراني التقدمي " ميشيل عفلق " عندما زار المغرب في أوائل الاستقلال ودعاه المحجوب بن الصديق للغذاء في بيته، وفي الطريق أمطره المحجوب بوابل من الشتائم للطبقة الرأسمالية المستغلة الكمبرادورية الأوليغارشية ومصاصي دماء الأمة، وعندما دخل الضيف قصر المضيف تبسم " ميشيل عفلق" وخاطب المحجوب قائلا : ( أراك يا محجوب تعيش معيشة هذه الطبقة التي تشتمها). والمثل هذا ينطبق على جميع رواد هذا الاتجاه بدون استثناء.

ومن خلال صراع الدولة مع هذه الأحزاب فرخت الأجهزة الأمنية من بعض متساقطيها قادةً وأتباعاً، تنظيمات يساريةً موازيةً تأتمر بأمرها وتعمل لصالحها؛ فتقلص بذلك حجم اليسار الحدي المتشدد لحساب الأجهزة الحزبية الأمنية المتياسرة، مما أدى بالتيار كله إلى التشرذم والضعف، والانشطار وحدات متعددة تطبعها في التعامل مع بعضها مظاهر الريبة والشك والتقوقع والتفسيرات الذاتية والتحليلات الساذجة والمزايدات العنترية الجوفاء؛ وإن كان تصنيفها الجامع يؤدي – في النهاية – إلى منظومة حقائق على الأرض، منها:

1 – فصائل اليسار التي أسستها الأجهزة الأمنية ومولتها ومهدت لها سبل الوصول إلى السلطة، وسخرتها لضرب اليسار الراديكالي تجعل طبيعةُ نشأتها ومهامِّها، عمليةَ التَّوَحُّدِ التي تسعى لها مع غيرها من الفصائل السياسية اليسارية الأخرى مستحيلة ومتعذرة. ولئن تحققت شكلياً في أحزاب دعيت وحدوية، فلن يتعدى الأمر حالة العقم التي أصابت اليسار المغربي منذ انزرع في البلاد.

2 – انقسام اليسار إلى طائفتين أولاهما وكبراهما أداة في يد السلطة، وثانيتهما الأضعف أشد أصولية، يجعل انتظار توبة الأولى عن عمالتها أمراً مستحيلاً؛ لارتباط مصالحها بالأجهزة الأمنية، ومستقبلها بمستقبل النظام. أما ثانيتهما الأصولية الراديكالية، فيفرض عليها واقع فشلها وانحسار مدها ضرورة مراجعة أمرها عقيدةً ومبادئ وخطَّ سيرٍ وأهدافاً.

3 – اليسار الأصولي الملتزم الذي يكاد يتلاشى يرى – للخروج من مأزقه – أن التحالف مع اليسار العميل أولوية آنية ملحة ينبغي اعتمادها، نظراً لخطورة الحالة الإسلامية، وينسى أنه في تحالفه مع الأجهزة – عبر عملائها اليساريين المزيفين – إنما ينحر نفسه، ويجهز على ما بقي من أشلائه التي تنتقل إليها بهذه العلاقة الجديدة فيروسات الخيانة والعمالة والتكالب على المكاسب الفردية التي تميز حلفاءهم الجدد.

4 – اليسار الأصولي واليسار العميل كلاهما يريان حالياً – بسبب رفض الشارع المغربي لهما – ضرورة التحالف مع جميع القوى الظلامية الفاسدة التي تتمثل في اللوبي الصهيوني المنزرع في المغرب ورواد علب الليل وطائفة عباد الشيطان ودعاة العرقية الفرانكفونية الموالية للاستعمار الفرنسي ومختلف الشراذم الأمنية المتدثرة بالنظم الحزبية، من أجل القضاء على ما سموه الأصولية الإسلامية، التي هي في واقع الأمر وجذور التاريخ وأعماق القلوب عقيدة الأمة ودين الإسلام. بل أخذ هذا التحالف الوسخ أيضاً – بتسلله إلى مراكز السلطة – يحاول أن يتخذ من الدولة نفسها سيفاً في يده لنفس الغاية والهدف، وهم في هذه المحاولات يعيدون دور "سيزيف" في الأسطورة اليونانية المعروفة.

ذلك أن الأمة الإسلامية – عبر التاريخ – حاولت غزوها عقدياً عشرات الملل والنحل، متسترةً بمختلف الدعاوى، ومتدثرةً بأنواع الأضاليل، ومدججةً بأرتال الجيوش، حشاشين وقرامطة ومغولاً، واستعماراً غربياً في القرنين التاسع عشر والعشرين، وعدواناً أمريكياً صهيونياً اليوم؛ وكان النصر في نهاية كل مطاف لعقيدة الأمة ودينها الحنيف.

5 – اليساران الحدي والحزبي الأمني المتياسر عندما حوصرا بالمد الشعبي الملتزم بدينه، يحاولان الآن أن يلقيا على رأس ماركس عمامةً ويرسلا به لأداء العمرة. ولكن بقي خطابهما وسلوكهما وعقيدتهما على ما كان عليه الأمر زمن المد الشيوعي، وكان عليهما أن يصالحا ربهما ويؤوبا بصدق إلى دينهما يتعلمانه من مصادره، لا عبر تحاليل الكافرين به أو المرتدين عنه. يتعلمانه ويلتزمان به ويدعوان إليه. وحينئذ سوف يكتشفان الشعب المغربي حقاً، وسوف يعرفان أن المد الأصولي الإسلامي- كما يسمونه - ليس إلا عودة شعب أصيل إلى دين حنيف نزل به الروح الأمين، وأن الأصولي المسلم الحق لا يعد نفسه عدوا لأحد من أبناء وطنه، وإنما هو دعوة طيبة إلى الإصلاح الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والأخلاقي على أسس لا تتنكر للدين، ولا تحقد على أحد من المواطنين، ولا تتعامل مع أعداء الأمة.

6 – اليساران الأصولي والمرتزق في سعيهما "السيزيفي" لاستئصال التيار الإسلامي الصادق، رأيا أن يرفعا مرحلياً شعار المذهب المالكي البريء منهما معا، لضرب ما سموه بالمذهب الوهابي والسلفي ، ثم بعد أن توهموا الانتصار أخذوا يخففون من دعوة "المالكية"، ليفرغوها من محتواها الإسلامي، ويشترطون فيها مسايرتها "للحداثة"، وخضوعها " للعلمانية "، ثم أضافوا شرطاً جديداً: أن تحاصر"المالكية" في المؤسسة الملكية، وتنحسر دعوتها عن الأمة وتنسحب من المجتمع المغربي الذي لا ينبغي له أن يتحدث باسمها...

وهذه خطوة واضحة تبين أن النوايا الانقلابية ضد المؤسسة الملكية لدى اليساريين شكلاً، الشيوعيين جوهراً، لم تتغير مطلقاً...فالخطوة الأولى لديهم أن يُقدم الملك على سحب بساط الدين من شعبه، ثم الخطوة الثانية أن يسحب الشعب غير المتدين البساط من المؤسسة الملكية...

وأمرهم في ذلك شبيه بالمخطط العرقي الذي رسمه الاستعمار الفرنسي فيما سمي بالظهير البربري، كما أعرب عن ذلك كاتب فرنسي، وخلاصته أن يُخير الملك – في نهاية المطاف – بين أن يكون بربريا أو عربيا... إن كان عربياً فالشعب بربري لا يحكمه إلا أبناؤه، وعليه أن يخرج من البلاد مع كافة العرب، وإن كان بربريا فليطرد العرب من البلاد. والنتيجة معروفة في كلا الاحتمالين...

هناك فئة أخرى من الأحزاب اليمينية، وهي على صنفين:

أولهما: أحزاب ذات جذور وطنية، أهمها وأقواها والباقي منها على الساحة هو حزب الاستقلال. ولئن كانت إسلاميته منحصرةً في قيادته التاريخية "علال الفاسي" – رحمه الله – وثلة تعد على رؤوس الأصابع بقي منها على قيد الحياة الشيخ "أبو بكر القادري" صاحب مجلة الإيمان، فإن توجهه الحقيقي الحالي رأسمالي ليبرالي علماني تقتصر إسلاميته على تمجيد تراثه المختزل في قيادته التاريخية، وهو بذلك وعاء فارغ من المحتوى الشعبي بشرياً والتزاماً دينياً، لا يستغني عن الحقن الرسمية في كل انتخابات يشارك فيها، لاسيما بعد أن تورط أمينه العام السابق "بوستة" في صياغة مدونة علمانية للأسرة ألغت المدونة الإسلامية السابقة التي ساهم في وضعها مؤسسه "علال الفاسي".

أما الصنف الثاني، فهو أحزاب أسستها السلطة في ظروف خاصة للدفاع عن مؤسساتها ولضرب أعدائها؛ وهي – بذلك – أجهزة أمنية موازية تقوم بما تعجز عنه الأجهزة الرسمية. ويقوم بالإشراف عليها عبد الكريم الخطيب بمساعدة أصهاره وأقاربه في الاستخبارات الداخلية والخارجية والدرك الملكي، وشأن هذه الأحزاب كلها أن تضخمها السلطة في وقت الحاجة إليها وتحجمها تمثيلا وممارسة في فترات الاستغناء عنها.

وتأتي بعد ذلك عملية تفريخ لأحزاب وحركات أطلقت على نفسها صفة "الإسلامية" لم نر من إسلاميتها في المجال السياسي والدعوي إلا قشوراً ومظاهر من قمصان وكحل وتعطر، مع تصرفات ثعلبية يحسدها عليها الذئاب.

أشرف على تفريخ هذه الفئات وزير الداخلية السابق إدريس البصري من شراذم المتساقطين والمذعورين والمتكالبين على المصالح الشخصية، بعد ضرب الحركة الإسلامية المغربية في سنة (1975م)، بتنسيق مع الجهاز الأمني المدني الموازي الذي يشرف عليه عبد الكريم الخطيب وأمثاله. وكان من جملة ضباط الاستخبارات المساهمين في هذه العملية مفتش الشرطة المسمى "الخلطي" المسيِّر المباشر لأقرب هذه الشراذم إلى السلطة في الرباط؛ حيث كان يصلي معهم في مسجد "حي المحيط"، وعندما اعتُقلت من نفس المسجد مجموعة لم تسايرهم، كان هذا الضابط هو الذي تولى تعذيبهم واستنطاقهم في الزنازين كما ذكر ذلك أحد هؤلاء المعتقلين وهو الأستاذ: حسين المؤذن في موقعه على الإنترنت.

ثم اقتضت مصلحة السلطة أن تُضخم إحدى هذه الشراذم بضمها إلى حزب الخطيب ويُطلق عليها اسم "العدالة والتنمية"، فقام ضابط الشرطة " الخلطي " بعملية التسليم والتسلم ، ولم يستحي أحد أقطاب هذه الشرذمة في لقاء مع قناة الجزيرة من أن يقول بأنهم "اكتشفوا" عبد الكريم الخطيب كما اكتشف كريستوف كولمبوس أمريكا.

لقد كان لتضخيم هذه الشرذمة تحت مظلة وعاء حزبي مصطنع أهداف كثيرةٌ، من أهمها:

· محاولة تذويب التيار الإسلامي الصادق واستئصاله من الساحة.

· إذكاء روح التنافس على المناصب والمكاسب لدى الشراذم الأخرى المتساقطة من الحركة الإسلامية، والتي تسعى للحصول على تراخيص حزبية، والتلويح لها بما ينتظرها من نعيم إِنْ دخلت في منافسة جادة وتسابق إلى ( الغنيمة!)مع شرذمة الخطيب.

· التلويح بالتهديد للتيارات اليسارية التي اقتضت مصلحة الدولة مرحليا ضرورة إشراكها في الحكومة وتمكينها من بعض مسؤوليات السلطة التنفيذية والتشريعية.

· تلويث الساحة السياسية، وجعل المواطنين ينفرون من الدعوة الإسلامية وتياراتها التي تتكالب على المناصب والمكاسب المالية، لاسيما وقد رأوا بأعينهم بعض منتحليها ينتقلون بجرة قلم من أكواخ الأحياء الشعبية إلى الفيلات والقصور، ومن ركوب الحافلات العمومية إلى السيارات الفخمة، ومن ضنك المعيشة إلى رفاهية الوفرة والترف.

هكذا ضُخمت هذه الفئة وازَّيَّنَ وضعها وظنت أنها قادرة على أمرها، فأخذ ضغط المتنافسين معها أحزاباً ومشاريع أحزاب يشتد عليها، وزاد من شدة الوطأة عليها خصوم في بعض الأجهزة الأمنية لوزير الداخلية السابق البصري يعدون تضخيمهم من قبله خطأ استراتيجيا،ً لاسيما بعد اكتشاف استغفالهم من طرف عناصر سلفية اندست في عباءتهم وتسترت بالانتماء إليهم فلم ينتبهوا لها.

هذا الوضع الجديد فرض على هذه الشرذمة بتوجيهات فوقية أن تعلن أنها ليست حزباً إسلامياً، وإنما هي حزب ذو مرجعية إسلامية فقط، مثلهم في ذلك مثل سائر الأحزاب اليسارية واليمينية التي أعلنت عن مرجعيتها الإسلامية، وتبعهم في ذلك جميع الشراذم الأخرى التي تساقطت من الحركة الإسلامية المغربية وتنتظر الترخيص الحزبي فأعلنت أنها كذلك ليست إسلامية، وإنما لها مرجعية إسلامية فقط.

ولقد حققت الدولة بهذه الخطوة التضخيمية لهاته الشرذمة وإشراكها في البرلمان بنسبة مرتفعة أخطر أهدافها في المجال الإسلامي، منها:

1 – استخدامهم لكشف الساحة الإسلامية المعارضة ووضع التقارير والدراسات والأبحاث والتحاليل للظاهرة الإسلامية المعاصرة رجالاً وتنظيمات في الداخل والخارج. وأخذ ينافسهم حالياً في ذلك بعض الشراذم الأخرى التي تنتظر الترخيص بتقديم التحاليل والأخبار والتفاسير للأجهزة والصحف المحلية من أجل البرهنة على قدرتهم على القيام بما تقوم به الشرذمة الأولى.

2 – التجسس على الحركات الإسلامية العالمية التي توصف بالتطرف والتشدد؛ لأنهم أقرب إلى فهمها ومعرفة شعاراتها، وتحولوا بذلك إلى جهاز أمني مواز ورديف. وهو عين ما ظل يقوم به الخطيب منذ أول عهد الاستقلال ضد الحركات الوطنية والمعارضة يمينية ويسارية وإسلامية.

3 – تمرير أخطر قانون وأشده إضراراً بالشعب المغربي وهو قانون الإرهاب الذي أقروه في البرلمان ب"جلبابهم الإسلامي".

4 – إقرار أسوأ مخالفة للشرع الإسلامي بموافقتهم – في البرلمان - على قانون الأسرة الذي يلغي أحكام الشريعة من مدونة الأحوال الشخصية ويجعل نظام الأسرة علمانياً سائباً.

وقد يأتي دور لهذه الشرذمة من منتسبي المرجعية الإسلامية في إقرار تشريعات أخرى تخلع الربقة أو تمهد لخلعها، في مقابل مكسب واحد: أن يبقى لهم منصب البرلمان وسيارته وحصانته وراتبه الضخم و"الجلابية والشاشية". وهو ما لم يكونوا يحلمون به – باستثناء بعض قيادييهم من أبناء أعوان الاستعمار وجواسيسه ودعاة القضاء على الحركة الاستقلالية والمقاومة المسلحة للاحتلال الأجنبي الفرنسي ما بين أربعينيات القرن الماضي وخمسينياته مما لايزال محتفظا به في أرشيفات الحماية الفرنسية وصحفها، وفي تسجيلات الإذاعة الرسمية آنذاك.

إن إعلان المرجعية الإسلامية لدى جميع الأحزاب المرخصة أو المنتظرة للترخيص، يمينية أو يسارية أو مستنبتةً على النكهة الإسلامية، يلغي كل الفوارق بينها ويرصها صفاً واحداً في طابور خدمة العلمانية شكلاً ومضموناً. فهم جميعاً يقصرون مرجعيتهم على حرية التدين الفردي ويمررون في البرلمان مختلف التشريعات المناقضة لأحكام الدين. وهم كلهم حالياً يبدأون خطبهم بالبسملة والحمدلة ويختمونها بالحوقلة، وما بين البسملة والحوقلة أقوال زور وتصرفات بهتان ودعوات تحريف للشريعة. أما صدق التعامل مع الأحداث ومعالجة قضايا الأمة والحرص على إسلامية الدولة وشعبها فكل الأطراف كاذبون ولا أثر لمرجعيتهم الإسلامية في نشاطهم السياسي مناهج وبرامج وتوجهات.

هناك فرق وحيد نستطيع أن نميز به بين ذوي هذه المرجعية، وهو صدق اليساريين في دعوتهم وعملهم لإبعاد الدين عن الدولة والسياسة، وكذب غيرهم من الشراذم المسماة "إسلامية" التي تسير عملياً في طريق فصل الدين عن السياسية، وتبشر به وتعمل به وله ومن أجله.

تبقى في المغرب فئتان صادقتان حقا في سعيهما لهدفيهما المتناقضين، ولكن ديموقراطية المغرب المخزنية لم يتسع صدرها لهما:

فئة اليساريين الأصوليين إِنْ كان بقي لهم وجود فعلي، على رغم أن السلطة تحرص على بقائهم محجمين كخميرة احتياطية لكل غاية يرجى نفعها، وهم صادقون حقاً في سعيهم لإقامة دولة ماركسية لينينية لادينية، تبلور ذلك في أدبياتهم ومناهج عملهم وتكتيكاتهم واستراتيجياتهم، وإِنْ كان بنوع من الصبيانية والمراهقة والاشتغال بالحرائق الهامشية، وقابلية السقوط في مطبات المعارك الجانبية التي تقدح لهم الأجهزة الأمنية زنادها.

أما الفئة الثانية، فتمثلها الحركة الإسلامية المغربية الأصيلة التي ما زالت بفضل الله تعالى وعونه ثابتة الخطو واضحة الهدف، لم ينل منها ما سلط عليها طيلة الثلاثين سنة الماضية من المطاردة والقمع والاضطهاد، بين مطارق الأجهزة الأمنية وسنادين سفهاء الأحزاب المستنبتة على ( نكهة المرجعية الإسلامية )، وعدوانية المنظمات اليسارية والليبرالية، ومشاغبات مراهقي الماركسية وصبيانيتهم وانعدام النضج لديهم، وكراهيتهم المكينة للإسلام عقيدةً وشريعةً ونظام حياة.

وللحديث بقية...

عبد الكريم مطيع الحمداوي


--------------------------







المشهد السياسي في العالم الإسلامي:
الأنظمة الإسلامية المعاصرة..
أسد على الشعوب وفي الحروب كما ترون.‍..‍‍‍!

الحلقة الأولى :

نحن في شهر رمضان المبارك سنة 1425من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم ، وقد وضعت الحرب العدوانية على العراق أوزارها كما قدر مسعروها أو توهموا، وتم احتلال جزء عظيم من بلاد الإسلام، واستذلال شعب عزيز من المسلمين، فارتعشت فرائص حكام الأمة الإسلامية، من عارض منهم الغرب ومن كان يعيش في حضنه.

من كان يعارضه أيقن أن دوره أتى لا محالة...

ومن عاش في حضنه تيقن أن لا وفاء له إلا لمصلحته، وأن يوما تأكل فيه القطة المجنونة أبناءها بالتبني غير بعيد...

والنتيجة الحتمية هيمنة مطلقة للصهيونية المتدثرة بما دعي ديمقراطية، والمدججة بالقطب الأوحد، على بلاد الإسلام السائرة إلى ردة عظيمة وتشرد للمسلمين أعظم.

فماذا دهى هذه الأمة، وما سر اندحارها إلى هذا الحضيض المزمن؟

يبادر بعضنا بالإشارة إلى انحراف الحكام والمحكومين عن منهج الله في الاعتقاد والإعداد، وهذا حق لاشك فيه، فالله لا يبارك أمة حملت أمانته وسارت على غير هديه، أو عملت على غير مرضاته.

لكن مقاييس الدنيا وسننها المادية جعلت أمما غير مسلمة ترقى مراقي العز الدنيوي وتـتسنم قمم القوة وتحفظ دنياها وإن أضاعت آخرتها. فلم لم نكن في أقل تقدير على مستواهم وفي قوتهم ومنعتهم؟

نستبعد من المسؤولية الشعوب بدءا، فالشعوب معتقلة في أقفاص الجهل والجوع والخوف والانضباط الصارم للأجهزة الأمنية ما ظهر منها وما خفي، وهي بذلك في حكم القاصر، فاقدة لأهلية التصرف ، مضطرة للخضوع لقوانين الحجر.

نستبعد العلماء ثانيا، فمنهم طائفة في السجون والمنافي، وأخرى سفرت إلى الآخرة على أعواد المشانق، وطائفة أخرى أكرهها الخوف والحاجة إلى التزلف وعبودية الدرهم والدينار، وضعوا بين خيارين لا ثالث لهما، الخدمة أو التسفير للآخرة، فهم لا حيلة لهم ولا محاولة... اختاروا بطونهم على كرامتهم، وسلامة حاضرهم على مجد دنياهم وآخرتهم.

يبقى بين أيدينا في مسؤولية ما حدث، حكامنا ( الأعاظم)على رؤوسنا، الفئران تحت أرجل أعدائنا!

فماذا دهى هؤلاء الحكام حتى تعاظموا وانتفشوا على هامات شعوبهم، وتصاغروا خائفين مذعورين، بين أقدام الغزاة والمستعمرين؟

إنه بغض النظر عن مهازل وضعهم، وشطحات قفزهم ونطهم في جمهورياتهم الوراثية ، ومزارعهم الاستبدادية، وما ارتكبوه في حق شعوبهم من آثام وجرائم ، أفقدت الأمة كل عناصر المنعة والقوة، وبددت طاقاتها العلمية والاقتصادية والخلقية، وروضت أو صفت أشد رجالها صلابة وصدقا، فإن خط سيرهم في الحكم، عندما خلا لهم الجو فباضوا وصفروا،ما كان ليبلغهم إلا إلى هذا المصير وهذه النتيجة.

في البدء، زمن الثنائية القطبية في حكم العالم،انقسم حكامنا فئتين:

فئة ارتمت في حضن الصهيونية ودول الغرب الاستعماري الرأسمالي، استدفؤوا بدثارها، واستطابوا ثمارها، عجرها وبجرها، فاحشتها وخمرها وقمارها ودعارتها. ونسوا أنهم مجرد خرفان سمينة في مزرعة مهما رعاها مالكها واسترعاها، وأطعمها وسقاها، فلابد أن يأتي يوم يحتاج فيه إلى لحمها اللذيذ وصوفها الدافئ.

وتوهموا أن دول الغرب منظمة خيرية، بلغت بها السذاجة حد الدفاع عنهم لوجه الله تعالى، أو في سبيل الإنسانية، أو حتى لنشر عقيدة الصليب. فناموا بقضهم وقضيضهم، واستناموا جيوشهم بعدهم وعديدهم، واعتقدوا جازمين أن لا ملجأ من الغرب إلا إلى الغرب. والغرب لا يلهو ولا يلعب، إنه يعد المأدبة لنفسه، ويهيئ قصعة المسلمين لسد جوعته.

أما الفئة الثانية من حكامنا فقد لوحوا في مرحلة ما، للغرب الاستعماري بقبضة التحدي، ورفعوا في وجهه شعارات التحرر والتقدم والقوة، ولكن شاب ما أعلنوه من أهداف، وما استهدفوه من غايات، ثلاث خطايا وعاهات:

أولاهن تكبيلهم شعوبهم وقمعها واضطهادها، فتحولت طائفة كبيرة من هذه الشعوب لفراغها الروحي والعقدي وما جثم عليها من مظالم إلى أدوات رخيصة للأجنبي، همها الوحيد الانتقام للنفس واستئصال الظالم ولو بأظلم منه. وتحولت طوائف أخرى لدعوة الإصلاح واليقظة فكان نصيبها القمع والاعتقال وأعواد المشانق. وفقد بذلك هؤلاء الحكام تأييد شعوبهم وعونها وتضامنها ومؤازرتها في عملية التحرر المعلنة شعاراتها.

ومن أجل مواجهة عدوانية الغرب الرأسمالي حالفوا المعسكر الشيوعي بكل صدق ووفاء وبلادة وغباء، ولم يهتبلوا فرصة هذه العلاقة الطارئة لبناء قوتهم الذاتية علما واختراعا وصناعة و تسليحا ذاتيا متطورا ورادعا، بل عكفوا عل استيراد ما تقادم وتلاشى وتجاوزه الزمن من الأسلحة، فتحولت بذلك ثكناتهم إلى مقابر لنفايات الصناعة السوفيتية، ومدارسهم الحربية إلى مصادر رزق( لخبراء ) الاتحاد السوفيتي من الدرجة العاشرة أو الحادية عشرة. وبطاناتهم إلى مكامن لرجالات "الكاجيبي".

وثانيتهن التوهم بأن الاتحاد السوفيتي يتفضل عليهم بمبيعات ( خردوات ) أسلحته، جهلا منهم بأبسط قوانين التعامل السياسي والاقتصادي بين الأمم.

وثالثة الأثافي ظنهم أن استيراد الفكر الشيوعي أدعى لاستمرار التعاون مع معسكره، واستدامة عونه وحمايته، ففتنوا بذلك شعوبهم المسلمة التي انتفضت للدفاع عن عقيدتها، وانشغلت عن البناء في معارك حامية ضد العقيدة الغازية الوافدة على أسنة الدبابات المشتراة، ورماح الأحزاب الشيوعية الملحدة.

وكانت نتيجة هذا التحالف الغبي الطائش، هزيمة منكرة سموها نكسة، على ثلاث جبهات في آن واحد، مصر وسورية والأردن...

ثم طفت على السطح على التوالي فئتان أخريان، فئة ثارت على حكم الشاه في إيران وأسست الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وفئة في السودان، أطلقت على نفسها لقب حركة الإنقاذ الإسلامية، وأسست نظاما سياسيا دعوه إسلاميا.

وأمل المسلمون خيرا ونصرا للأمة قاطبة، ببروز نجم نظام سياسي إسلامي في إيران، إلا أن هذا الأمل خبا وانطفأ، بتراكم أخطاء قاتلة ذاتية من صلب تفكير القائمين على الجمهورية الوليدة، في مقدمتها ما صرح به أقطابها فرادى وجماعة، وعلى مسمع مني إذ زرت إيران في مستهل سنة 1980، من أن الهدف الأول في استراتيجيتهم بناء محور صلب يمتد من طهران إلى لبنان عبر سورية، لاكتساح المنطقة العربية، وتحرير مكة والمدينة أولا، وفلسطين آخرا وأخيرا، معتبرين العراق" سدادة القنينة العربية " التي لابد من انتزاعها. وبتعاظم مؤامرات خارجية كانت بعض الدول العربية غطاء لها وترسا ومخلب قط، ومازلت أذكر إذ كنت على مائدة طعام الغذاء ببيت الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى، في الرياض أواخر سنة 1979، وأتاه خادمه فأسر إليه شيئا، فنهض مسرعا وغاب عنا مدة ثم رجع واعتذر بأنه كان في استقبال الأمير فهد ولي العهد الذي زاره واستشاره في أمر المبادرة بشن حرب إعلامية على إيران الثورة، وأن الشيخ ابن باز نصحه بالتريث قليلا.

أما أسطورة جبهة الإنقاذ وحكومتها الإسلامية في السودان فيكفي لبيان حقيقة إسلاميتهم مساهمتهم في تصفية أحد أقطاب المعارضة العراقية من آل الحكيم، وكان في ضيافتهم وأمانهم على يد استخبارات صدام حسين، وتسليم كارلوس المسلم الذي استجار بهم إلى السلطة الفرنسية، ثم انقلابهم على بعضهم، وما يجري بينهم من بأس شديد وتهديد ووعيد، ومطاردة وتشريد.

أما جوهر ما قدموه بديلا لنظم الحكم السائدة في الأرض فلا يتجاوز حكما فرديا مغلفا بشعارات جوفاء لشورى على نهج ديمقراطي مزيف، وعدوانية ذات بأس شديد، أهدرت فيها دماء المسلمين عربا وعجما، لتغذية أطماع طهران المغالية وطموحات صدام العمياء، ، وانتهكت بها أعراض المسلمين والمسلمات وسالت دماؤهم في الكويت، على يد تلامذة ميشيل عفلق ومجرمي البعث، وأزهقت أرواح إخوة أشقاء في المنطقة المغاربية والصحراء الكبرى المسلمة إرضاء لحفنة تسيرها أطماع أجنبية لا تريد للمسلمين خيرا... وما في مناطق أخرى من أراض للإسلام، فلسطين والشيشان لها مثل، أشد سوءا وإيلاما... لا ننكر انطلاق دعوات للرشد والتوبة والوحدة وإعداد القوة بين فترة وأخرى، لكن ضجيج الباطل أخفتها، والقوم في الضلال سادرون، وما أنت بمسمع من في القبور.

هكذا تحول العالم إلى عرينين لأسدين مفترسين، الأسد الأمريكي ومعه أعوانه من دول الغرب التي تنتظر فتات مائدته، والأسد الروسي معه ضباع أتباعه من الدول التي تنتظر ما يفضل عنه من جيف الفرائس. وكلاهما يتنازعان على ثلاثة قطعان أغنام من حكام المسلمين وشعوبهم المعتقلة لديهم.

قطيع في الحظيرة الروسية ينتظر الذبح.

وقطيع في الحظيرة الغربية ينتظر السلخ.

وقطيع نظامين إسلاميين مفتونين بحسابات صغيرة وأطماع تافهة، ينتظر المسخ.

ثم بعد اندحار الاتحاد السوفيتي سقطت القطعان كلها بيد الأسد الغربي الشره الشرس، واكتشف حكام الولاء للغرب أن القطة المجنونة تتأهب لأكل أولادها بالتبني، حكامنا اليمينيين أصحاب" الفخامة والجلالة والسمو والعظمة"، وأبناء غيرها بالتبني حكامنا اليساريين "المهيبين الأماجد"، ومنقذينا الإسلاميين (الأعاظم).

وكل القطعان مصطفة لا حول لها ولا قوة أمام مجزرة التاريخ ومقصلة بني صهيون في ديار الغرب الاستعماري.

والحال كما نرى:

استنوقت جمالنا...

واستذلت نساؤنا، وانتهكت أعراضنا، واحتلت بلادنا، وأهينت معتقداتنا.

وركع حكامنا، من استدفأ منهم في حضن المعسكر الأمريكي الغربي، ومن استنار بنار الاتحاد السوفيتي... لم يجدوا مغارة أو مهربا إلا أن يحتموا بما احتمي به أحدهم في يوم عصيب، من سيف الإمام علي رضي الله عنه، والقياس مع الفارق... لكن ليس للعدو عفة الإمام ولا حياء الإمام، ولا إباؤه وشهامته، ولا إعراضه عما يخل بالمروءة ويخدش الحياء.

هكذا انكشف الغطاء، وظهر حكامنا على حقيقتهم:

أسود على شعوبهم... ومع العدو فئران...‍‍!‍‍

في هذه الظروف القاسية يتساءل ذوو النوايا الطيبة: أين الدعوة الإسلامية؟ أين الدعاة الصادقون؟ ماذا شغلهم عن نصرة الأمة وإنقاذ البلاد وتحرير العباد؟

والجواب يعرفه القصي والداني، لقد سلط عليهم القتل والسحل والاغتيال والمطاردة، بل حتى التسليم للأجنبي حينا، أو تكليفه بقصفهم وسحقهم والتمثيل بهم، وتحول الحكام العظام بذلك مخبرين من الدرجة العاشرة للأجهزة الغربية، بل والروسية أيضا...

وبعد، فهذه أرضية وصفية موجزة وتوطئة مختصرة لما نحن بصدد التأريخ له من أمر نِشأة الحركة الإسلامية المغربية قبل خمس وثلاثين سنة. وللتاريخ كما هو معلوم طريقتان للسرد والتدوين، طريقة طردية تبدأ من الماضي متجهة للحاضر، وطريقة أخرى عكسية تتجه من الحاضر للماضي، هي التي آثرتها في هذه العجالة، لما لها من مزايا أقلها معرفة أرضية الانطلاق الحالية واتخاذها مسبارا لمدى نجاح المسيرة أو فشلها، وتسجيل شهادة للتاريخ على حال الأمة ومآلها.

ذلك أن معرفة واقع الحال شرط ضروري لاستقامة النهج وصدق الشهادة وثبات الخطو.

هذا ما سرت عليه منذ فكرت في تأسيس الحركة الإسلامية المغربية في أواخر ستينات القرن الماضي، قمت أولا بدراسة الساحة السياسية والدينية والتربوية والتعليمية والاجتماعية والاقتصادية زمن التأسيس، ثم دونت ذلك في دراسات حالفها الصواب عند محاكمتها لتطورات ما جاء بعدها من أحداث، وشانها هامش بسيط من الخطأ شأنها في ذلك شأن الدراسات المستقبلية، وشابتها حدة مرحلة الشباب واندفاعاته، كما بذلت ما وسعني من جهد لدراسة نفسيات الفاعلين في الحقل السياسي يسارا ويمينا ومعرفة خبايا توجهاتهم وخلفيات سلوكياتهم، ساعدني على ذلك تخصصي في المجال التعليمي تربية وإعادة تربية وعلم نفس وطرق تعليم وتعلم، ولعل القارئ الكريم يعود إلى بعض ما نشر في ستينيات القرن الماضي وأول سبعينياته، مما لم تتلفه ثلاثينيات الغربة والهجرة والمطاردة ومصادرة الحريات والممتلكات، وفي مقدمة ذلك مقالة نشرتها بدون توقيع في مجلة الغرباء اللندنية بعنوان " المغرب في دوامة الصراع "، حول الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والحزبي ببلادنا حينئذ، ودراسة مستقبلية أخرى مطولة عن الحالة التربوية والتعليمية ومآلها، وعن واقع الناشئة المدرسية وما ينتظرها من مخاطر إن لم يتدارك الأمر بإعادة بناء المنظومة التربوية على أسس سليمة، نشرتها كذلك بدون توقيع، على حلقات متوالية في الصفحات الأولى من صحيفة "المحرر" الناطقة باسم الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، في موسم الدخول المدرسي لسنة 1965م، قبيل اختطاف المهدي بن بركة بأيام، وكان الداعي لعدم مهرها بتوقيعي تجنب المتابعة القانونية والإدارية ، لكوني أتحمل إذ ذاك مسؤولية في قطاع التعليم الرسمي، ومازلت أذكر عندما أحيلت هذه الدراسة إليَّ لتصحيحها في مطبعة الجندي روش، كيف جلس بجانبي الأستاذ عبد القادر الصحراوي رحمه الله تعالى، وكان من كتاب الجريدة ، قبل أن يلتحق رئيسا لتحرير مجلة " دعوة الحق " التي تصدرها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، واقترح علي نشرها في كتاب مستقل. هذا بالإضافة إلى ما نشرته قبل ذلك باسم مستعار في جريدة الأهداف عن الوضع التعليمي بمختلف مناطق المغرب منطقة منطقة. وما حاولت به النصح المباشر للمسؤولين فكان عاقبة أمري لديهم الاضطهاد الإداري والنقل التعسفي، بل والشتائم العلنية، مثلما وقع في مدرج كلية العلوم، وقد عين وزير للتعليم جديد هو الأستاذ عبد الهادي بوطالب، ودعا كافة المسؤولين في التعليم - وكنت منهم- لندوة طلب منهم مصارحته فيها بالواقع كي يستطيع إصلاحه، فصدقت كلامه وأعلنت له على مرأى من جميع الحاضرين ما ينوء به القطاع التعليمي من مشاكل تربوية وإدارية ومالية تهدد مستقبل الناشئة، وبدلا من استماع النصح والمصارحة انطلق في شتائم مقذعة أقلها قوله : " نحن دعوناك بصفتك التربوية لا بصفتك النقابية"، لولا أن الأخ الأستاذ أحمد بن اليمني مدير ديوانه – وكان يعرفني حق المعرفة في حزب الاستقلال مع الزعيم الراحل علال الفاسي رحمه الله تعالى - سرب إليه أثناء حديثه وريقة اطلع عليها فغير لهجته فجأة إلى نوع من العتاب المتودد، وختم كلمته بمخاطبتي قائلا : هل لك من تعقيب يا أخ عبد الكريم؟ فلزمت الصمت ولم أجب. وبعد حوالي أسبوع من الحادثة دعاني إلى مكتبه للمناقشة والحوار والمصالحة كما ذكر لي أثناء اللقاء. ثم تبين لي بعد ذلك بقريب من الزمن أنه صدقني في تلك الجلسة الاستماع والانتصاح، وكان مما نفذ من اقتراحاتي إعفاء المجندين المثقفين من الخدمة العسكرية وتكليفهم بأداء واجبهم الوطني تدريسا في المعاهد والمدارس الرسمية.

وللحديث بقية...

عبد الكريم مطيع الحمداوي


------------------------------------




الحركة الإسلامية المغربية نشأة وتطورا



الذاكرة السوية
تعرف من الساحة الإسلامية وتنكر

(الحلقة الثالثة)

إن التاريخ الحق هو ما نعيشه لا ما نرويه، أما ما نكتبه فهو رجع الذاكرة التاريخية إذا ما تحررت من مؤثرات النفس والهوى والوجدان والمزاج، وكانت أداة موضوعية للفهم والتمحيص والتدقيق، واستقراء جزئيات الكليات ومفصلات المجملات، واستخلاص نتائج المعطيات والمقدمات، وهي بذلك وسيلة للرشد والسداد ونجاح الأعمال.

كما أن انمحاء الذاكرة بأعراضه نسيانا أو ضعفا أو انتقائية، يفقد المرء القدرة على استيعاب واقع الحياة بحكمة وحسن تقدير للعواقب، ودقة تحديد للأهداف، ووضوح رؤية للمعضلات الطارئة وحلولها المحتملة. وذلك من أهم دواعي الفشل لدى الأفراد والجماعات والأمم في مجال السياسة ومحاولات النهوض الاجتماعي والثقافي والعقدي، وميادين العلوم والفنون والإنشاء والتعمير والاختراع والتصنيع.

يقول أحد الفلاسفة: " إن الذين لا يتذكرون الماضي محكوم عليهم بأن يعيدوا تمثيل أحداثه " ، أي بأن يعيدوا تجرع إخفاقهم أو إخفاق غيرهم فيه. لأن تذكر الماضي بتجاربه عصمة من الخطأ في الحاضر ودعامة بناء للنجاح في المستقبل.

إن ذاكرةً قويةً يقظةً لدى الأمم والشعوب والأفراد والجماعات وقايةٌ لها من الانحراف، ومناعةٌ ضد الفساد، وحمايةٌ من تكرار الأخطاء، وأداةٌ للإبداع والاختراع، ودليلٌ على تماسك مراحل تطورها ماضيا وحاضرا ومستقبلا، ونِبْراسٌ لوضوح رؤيتها وسلامة نهجها ورشد تصرفها وصلابة بنائها.

لذلك كان ضرب الذاكرة وسيلة مثلى لمن يريد تخريب حياة أمة أو جماعة، وتحويلها إلى كائن بليد غبي جاهل ينكر أباه وأمه وأخاه ونفسه، كائن لا هم له إلا التردد بين مائدة الطعام وأريكة النوم والخمول.

إنني لا أعني بالذاكرة تاريخ الشعوب والحركات والأشخاص، طبيعيين أو اعتباريين فقط، ولكنني أعني بها مفهومَهَا بجميع أوجهها التي تُكَوِّنُ منها كُلاًّ مترافدا ووحدةً متماسكةً غيرَ قابلة للتجزئة تشد أزر صاحبها وتثبت فؤاده، وتمده في كل حالة بما يحتاج إليه،وترسخ خطواته على جادة الحق والصواب والتصرف السليم.

فعندما يعترضك موقف لا تدري أمر الرشد فيه يرفدك عقلك بتجارب سابقة تأخذ بيدك إلى الرأي السديد والمعالجة الناجعة، وتلك هي الذاكرة الاجتماعية، خزان الخبرة وذخيرة الماضي ومسبار المستقبل.

وعندما يصلك نبأ أسرة غاب عائلها سجينا أو منفيا أو شهيدا ، فيرق قلبك وتشعر بشعور أهله وأبنائه وأرحامه، تكون الذاكرة الوجدانية لديك حافزا للوفاء وهاديا للنصرة، ودافعا إلى أن تَخْلُفَ أخاك في أهله وذريته بخير، مهما كان خلافك معه.

وقد تستهوي المرء غواية مخلة بالمروءة، فيَهُمُّ بها لولا أن يستنقذه تَذَكُّرُ عهدٍ بينه وبين ربه، ينتشله من براثن الشيطان وحبائل النفس الأمارة. وتلك هي الذاكرة الإيمانية التي زود الله تعالى بها المصطفين من عباده (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ) الأعراف 201.

كذلك تعرض للإنسان أحيانا ضلالات وأوهام يظنها علما، فإن حكَّم فيها العقل وحاكمها إلى مبادئ التصور الإيماني السليم بدا له عوارها وتناقضها مع حقائق العلوم وبديهيات الفطرة، وتلك هي الذاكرة في وجهها الثقافي، وموردها العلمي.

كما تمر الأمم عبر مراحل تطورها بأحداث متداخلة غامضة، يحار الملاحظ والمتتبع في فهمها والتعامل معها، إلا إذا استلهم ذاكرته السياسية والاجتماعية والاقتصادية والدينية، حينئذ يهتدي إلى الصواب في الفهم والتصرف.

إن الذاكرةَ بكل هذه الاعتبارات كُلٌّ لا يتجزأ، وإنما تتمظهر في كل حالة بما يؤازر صاحبها، وهي بذلك قوة مغروزة في الضمير، لا غنى للفرد والجماعة والأمة عنها. ومَثَلُ فاقد الذاكرة كَمَثَل الأعمى الأصم الأبكم المبتور من أسرته ومجتمعه ومحيطه ( لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ ) الأعراف 179.

لقد كان هَمُّ حركات الاستعمار الغربي التي اجتاحت العالم الإسلامي في القرون الثلاثة الماضية أن تمحو ذاكرة الأمة تاريخيا وثقافيا وتراثيا ودينيا واجتماعيا، كي يعاد شحن الفراغ المستحدث في حياتها بما يحقق الهدف من احتلال الأرض واستباحة العرض والمقدرات والثروات.

هذه الحالة أيضا تنسحب على الحركات التغييرية التي تنهض في الأمم والشعوب لتصحيح المسار والتوجه، فيحاول خصومها بترها عن ماضيها وتاريخها ورصيد تجربتها وخبرتها، وذلك لأن الذاكرة رصيد لها ثمين، يطور نضالها ويثبت خطاها ويحفظ طهر مبادئها ويقوي زخم الاندفاع نحو غايتها ومرماها، سواء في ذلك وجهها التاريخي الذي يرشد مشاريع المستقبل ويضع الحلول لمستجدات الحاضر، أو وجهها الثقافي الذي يستقيم به التعامل مع حقائق الأشياء، أو وجهها الإيماني الذي يحفظ به العهد مع الله ، ومع الصاحب بالجنب ورفيق العقيدة، أو وجهها الوجداني الذي يُشْعِرُ المرءَ بحال أهله ومعاناة أمته...

إن حركتنا الإسلامية أيضا ليست بدعا من الحركات، فلها كما هو شأن المجتمع الإنساني في تجمعاته وتكتلاته، ذاكرة تجارب وثقافة، ومعاناة آلام ومحنة أحزان، ولحظات إشراق وإحسان، ورصيد خبرة يضاهي ما لدى الحركات غيرها، وذاكرتها بذلك ذخر يحافظ عليه، وكنـز ينبغي حمايته من الانمحاء والتزوير والتحريف والتوظيف الانتهازي الرخيص.

وإن نسيانَ جيل الدعوة الناهض لماضي حركته، وعدمَ استفادته من تجاربها وخبرتها ومراحل تطورها،وعدمَ تمييزه بين من أخلص لها أو خانها، وبين من مهد لها السبيل أو مكر بها، وبين من أركبها ظهره أو ركب ظهرها... كلُّ ذلك مدعاةٌ لفشل الحاضر ونذيرٌ بانهيار المستقبل، سواء كان هذا النسيان نتيجة لتزوير التاريخ، أو تمويه الأحداث، أو محو الذاكرة، أو كان تغييبا ماديا ومعنويا لرجالها الذين ارتسمت بصماتهم في خطى سابقة أو مراحل متقدمة.

هذا حال الساحة الإسلامية في مغرب التشرذم الديمقراطي وغثائية الحزبية ومنتسبي " نكهة المرجعية الإسلامية "، وملتقطي فتات " كعكة " السلطة.

أُلْقِي نظرة فاحصة على هذه الساحة فأعرف منها وأُنْكِر، أعرف أفرادا انتسبوا لحركتنا وهم صبية أو غلمان أو في شرخ الشباب، بعضهم غيَّبَتْهُ السجون والمعتقلات والمنافي، وآخرون منهم غيبتهم الشهادة أو الموت فالتحقوا بالرفيق الأعلى، فعليهم من الله الرحمة ولهم منا التحية الطيبة والدعاء الكريم.

وأُنْكِرُ أفرادا حَطُّوا رحالهم في ساحة الذل والضَّعَةِ طاعمين كاسين، يتزلفون القائم والقاعد، وكانوا من قبل في صفنا ومن بني جلدتنا، فغرتهم الأماني وبهر أعيُنَهم بَهْرَجُ الدرهم ، وتنكروا لكل العهود، وخانوا القريب والبعيد، وتبرؤوا من السجين والمنفي والشهيد.

وأُنْكِرُ آخرين اسْتُلْحِقُوا بحركتنا في زمن البغي عليها ومطاردتها، استلحاقَ زيادٍ بأبي سفيان، فهرجوا ومرجوا وعاثوا عَيْثَ الثعالب في المَقَاثِي والجرذان في مخازن المؤن.

وأُنْكِرُ غيرَهم كان يُظَنُّ بهم الرشد، فانغمروا في شطحات بذيئة، رمت بهم في مزالق الفتن، وانحطت بهم إلى دركات المهانة والصغار.

وإذا كان الفشل الذريع مصيرا للأمة إذا أصبحت كلُّ قبيلةٍ فيها أمةً، فإن السقوط الرهيب حتميٌّ لأي تنظيم صار فيه كلُّ انتهازيٍّ حركةً، وكلُّ نصاب حزباً، وكل وصولي شرذمةً.

هذا ما خطط له أعداء حركتنا منذ عرفوها وقرروا تصفيتها وتوظيف شظاياها، إلا أن إرادة الله تعالى غالبة ( وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ) الأنفال 30

وللحديث بقية

عبد الكريم مطيع الحمداوي





------------------------------





الحركة الإسلامية المغربية نشأة وتطورا

الحلقة الرابعة- 4 –

نماذج من محاولات محو الذاكرة ومصادرة التاريخ

" الذكاء! "الذي يُزَوج البَخْراءَ من فاقد الشم



اتبعت الأجهزة المختصة عددا من الأساليب المعقدة لـمحو ذاكرة الحركة الإسلامية المغربية، وتغيير مسارها القويم منذ مرحلة النشأة والتأسيس، ثم بعد عملية محاولة الاستئصال سنة 1975. وقد ساعدني على رصدها وإفشالها أمران، أولهما معرفتي الدقيقة بخبراء هذه العمليات وطريقة تفكيرهم، أثناء ممارساتي السياسية الحزبية والنقابية، وبعد ظهور أمر الحركة الإسلامية ومحاولة كثير منهم التقرب إليَّ واستقطابي وتضليلي عن هدفي الإسلامي الأصيل الذي نهضت من أجله؛ والأمر الثاني بقاء تنظيم العمق خفيا على صبية مرحلة التأسيس مما يسر الرصد والمتابعة وإحباط مناورات الدس والتخريب. وليست الترهات الصبيانية التي تنشرها الاستخبارات باسم شرذمة بيادق الخطيب وفي صحيفتهم إلا حلقة من حلقات تحقن بها عقول السذج في الساحة.

إن ما تنشره هذه الزمرة حاليا لا تُعْرَف خلفيتُه واضحةً إلا بمعرفة كاتبِه والمشرفِ على نشره.

والكاتب من المستلحقين المستنبتين، عرفته عن طريق الهاتف الذي كان يقصفني به من فرنسا وسويسرا ويطلب من خلاله لقائي من أجل مساعدته على وضع سيناريو فيلم سينمائي زعم أنه يعد لإنتاجه عن حياة الأمير عبد الكريم الخطابي، وكأنما نسي أو جهل أن مؤامرة اختطاف المهدي بن بركة لا يمكن أن تعاد إلا بطريقة هزلية كاريكاتيرية.

أما المشرف على تحرير الصحيفة فقد كان غلاما في حركتنا قبل ضربها سنة 1975، عاملناه بالحسنى والإحسان، وعندما شكا إلي مستفتيا، وهو في المرحلة الثانوية، أن أباه لص يطعم أسرته حراما، نصحته بستر أبيه ووعظه سرا ومساعدته على الكسب، وخصصت له الحركة مساعدة ثلاثين درهما أسبوعيا، ثم لما حصل على الثانوية العامة أرسلته الحركة إلى مدينة فاس بنفقة كنت أرسلها من السعودية لمسكنه وطعامه وملبسه ودراسته ؛ لكن بدأت الشيطنة تتضخم لديه وتظهر في معاملاته لإخوانه نصبا وابتزازا لأموالهم، وفتاوى مغرضة لهم بغير علم.

أما الفتوى فعندما أفتى لشاب أعزب بجواز خلوته سفرا ومقاما بفتاة متزوجة بغيره، إذا ما سقاها فنجان لبن يحلبه من أمه ويأتيها به.

وأما النصب والابتزاز والسرقة، فعندما اتصل بي أثناء هجرتي في السعودية، وطلب مني تغطية ثمن آلة " رونيو" لطبع نشرات دعوية، فأرسلت له صكا مصرفيا بقيمة مليون ونصف سنتيم، تسلمه وصرفه، لكنني عندما اتصلت بالإخوة في الدار البيضاء أخبروني بأن الشخص المذكور يجمع اكتتابا لمعالجة بعض الشباب في فاس من سرطان أصيب به، وأن غالبيتهم ساهموا في الاكتتاب، حينئذ اتصلت بأحد الشباب الفاسيين القياديين وسألته عن مقدار نفقة علاج الأخ المريض لأساهم في تغطيتها، لكنني فوجئت بما ذكر لي من أن الأمر مجرد خدعة من الشخص المذكور لجمع ثمن شراء " آلة رونيو ". وكانت الحصيلة ابتزازي في هجرتي والنصب على أعضاء الحركة في عدد من المدن لجمع ملايين السنتيمات والاستئثار بها، وكانت عاقبة أمره أن طرد من الحركة.

لا عجب إذن مما يقوم به هؤلاء، فحين يتصدى للدعوة النصابون واللصوص تجد الأجهزة وفرة ممن يقوم لها بأدوار التخريب والتجسس في مقابل رفعهم إلى حضيض البرلمان المزور والصحف المأجورة، ومن يجرؤ على التشهير بوالده ووصمه بالسرقة من أجل دراهم معدودة لا يتورع عن التشهير بالحركة التي أحسنت إليه، وتشويه سمعتها وتزوير تاريخها إذا كان ذلك يوفر له مالا وترقية.

إن هذه الحملات الهادفة إلى مصادرة تاريخ الحركة الإسلامية المغربية مع ما تنشره حاليا صحف النصابين والمرتزقة ليست بالجديدة علينا، فلقد تقدمتها محاولات لا تكاد تحصى منذ سنة 1975 وقبلها.

بعد 1975 كانت محاولة بَتْرِ القيادة المؤسسة ووَصْمِها بما لا علاقةَ لها به، ونِسْبَتِها لغير العمل الإسلامي. لولا أن قيض الله تعالى خروجي إلى المشرق العربي، وما قام به إخوة لنا في الكويت من نصرة فضحت المؤامرة وبينت الوجه الإسلامي للقضية إعلاميا وحركيا، خاصة في مجلتي المجتمع والبلاغ، والمنظمات الطلابية الإسلامية العالمية. فبادرت الأجهزة المغربية إلى إرسال سوري متمغرب هو عمر بهاء الدين الأميري، كلفته بإيقاف الحملة الصحفية المناصرة لنا ومحاولة تشويه سمعتي لدى الإخوة الإسلاميين في الكويت، و الافتراء على القيادات الداخلية لحركتنا بما زودته به الأجهزة، وكان من أمر زيارته للكويت ما أثار استغرابي وعجبي ولم أروه من قبل إلا للخاصة.

ذلك أنني غفوت بعد صلاة صبح أحد أوائل أيام مقامي في الكويت فرأيت الأميري في المنام وقد دخل علي في يده خنجر يريد أن يطعنني به، وليس لدي سلاح أدافع به عن نفسي، فلم يكن مني إلا أن استغثت باسم الجلالة صائحا بأعلى صوتي " الله " ثم استيقظت مذعورا. والعجيب في الأمر أن أحد الإخوة الإسلاميين القياديين فاجأني بالزيارة في ظهر اليوم نفسه مخبرا بوصول الأميري إلى الكويت، وأنه التقى بعد ساعات من وصوله ببعض الإخوة الإسلاميين ذوي النفوذ في البلد، وعاتبهم على مساعدتهم وإيوائهم لي، وزعم لهم أنني رجل شيوعي وأن ابني محمدا ( عمره حينئذ كان خمس عشرة سنة، وما زالت لحد الآن وقد تجاوز الأربعين آثار السياط على ظهره بادية، وجزء من جلدة رأسه مسلوخا، وآلام الركبة والورك لديه إلى الآن شهادة على ما عانى من تعذيب في المعتقل ) قد صرح للشرطة التي كانت تستنطقه في المعتقل بأنه لا يصلى إلا بأوامر من والده، ولا تربطه رابطة بالحركة الإسلامية، وأن الأمن اكتشف في حسابي المصرفي تحويلا ماليا من الجزائر، ثم طلب منهم أن يعقدوا له اجتماعين أولهما ثنائي فقط بينه وبين عبد الكريم، والثاني يحضرونه بجانب عبد الكريم. ولما طلب مني الأخ الزائر تحديد موعد الاجتماعين قلت له:

- أما اللقاء الثنائي فلا داعي له، لأنني ليس لدي سر أريد قوله له أو الاستفراد به لأجله، وأما اللقاء العام بحضوركم فنعم.

وفي مساء نفس اليوم كان اجتماعنا ببيت الأخ الدكتور عصام الشربيني المستشار بوزارة الصحة الكويتية، وبعد التحية وتبادل كلمات المجاملة المألوفة بين الناس، بادرني الأميري بقوله:

- يا أخ عبد الكريم، أنا كما تعلم لا ناقة لي ولا جمل في الأمر، ولكنك أعرف بقومك، وهم يشيعون عنك ما يشيعون، وقد جئت باتفاق مع الدكتور الخطيب والأستاذ محمد الشرقاوي (صهر للملك ووزير الدفاع السابق) لزيارتك ومباحثتك في الموضوع وكيفية معالجته.

أجبته قائلا:

- قبل أن أرد على قولك أود أن أخبرك بأن الإخوة أخبروني بما جئت له وما جئت به من مزاعم، ثم أن أُذَكِّرَك ببعض المواقف السابقة لتكون تذكرة وعبرة وتمهيدا: أَتَذْكُرُ يوم شكوتَ إلـيَّ أن تربية أبنائك تأثرت بأخلاق المغاربة فقلت لك إنك لم تعش بين المغاربة ولم تلتق بهم بعد وإنما التقيت بالنخبة السلطوية الفاسدة...؟ الآن أقول لك إنك ستعرف لأول مرة مغربيا على حقيقته وإن كنت لا أعتز إلا بإسلامي الذي رفعني مع قومي بعد وضاعة. ثم أَتَذْكُرُ أنك اتصلتَ هاتفيا ببيتي مرة لتدعوني باسم الديوان الملكي إلى حضور المسيرة الخضراء في أكادير وأجابك ابني أحمد وعمره حينئذ ثماني سنوات، بأن أباه في مكتبه، فطلبت منه مناداة أمه لتترك لديها توصية، فقال لك : إن أمي لا تتحدث للأجانب وعليك الاتصال بمكتب والدي؟ فهل هذا تصرف صبي نشأ في أسرة شيوعية؟ ثم هل تذكر كم مرةً سعيت لربط الصلة بيني وبين كبار المسؤولين في المغرب مثل الأستاذ أحمد بن سودة، والأستاذ محمد الشرقاوي الذي أخذتني إلى قصريه في الرباط وفي الصخيرات، وحدو الشيكر وزير الداخلية المغربي...الخ؟ فهل كان ربطك لهذه الصلات وتنسيقك لهذه الاتصالات يتم لو كان لرجل شيوعي؟ أما التحويل المصرفي الذي زعمت أنه وصلني من الجزائر فأنا أتحدى أيا كان أن يأتينا بصورة من الصك الخاص به وأنا على استعداد للتوقيع عليه إن ثبتت صحته ونشر صورة له في الصحف، وتبقى قضية بهتانك لابني محمد، واغتيابك له في محنته، وقد تجاوزت من عمرك الثانية والستين، وطالما افتخرت في مجالسك العامة والخاصة بأنك من جيل تلامذة الإمام المرشد حسن البنا رحمه الله تعالى، فهل يحق لي أن أسألك: هل نزلت بهذا التصرف إلى مستوى غلام معتقل في الخامسة عشرة من عمره أم أن ابني هو الذي ارتفع إلى مستوى سنك وسابقتك في التلمذة على الإمام حسن البنا رضي الله عنه؟

لم أكد أنهي كلامي حتى ظهرت على الرجل بوادر الإرهاق والهبوط فبادر الدكتور الشربيني بإسعافه بحقنة في العضل منعشة، وبعد أن سري عليه اقترح أحد الإخوة الحضور تأجيل الجلسة إلى الغد على مائدة الغذاء عند أحد الفضلاء فتم ذلك.

وفي الغد اعتذر الأميري بأن ما نقله إلى الكويت مجرد أقوال لغيره، وحاكي الكفر ليس بكافر، ووعد بأن سوف يحل هذه المشكلة عند عودته إلى المغرب مع أصحاب القرار كما سماهم، ثم عرض استعداده للوساطة لدى الأجهزة الأمنية كي لا تخرج أسرتي من بيتها فاعترضت على الوساطة وطلبت منه الكف عنها.

بعد حوالي أسبوع مما وقع تلقيت دعوة من الندوة العالمية للشباب الإسلامي لزيارتها، فسافرت إلى الرياض ونزلت ليلتي الأولى بفندق اليمامة فكان من غرائب التقديرات الإلهية ما يلي:

استيقظت منزعجا في أول صباح لي مرة أخرى على الرؤية التي رأيتها في الكويت للأميري ممسكا بخنجره ، فاستعذت بالله تعالى من شره وشرها، وبعد الشروق قصدت مطعم الفندق للإفطار فوجدته به على المائدة أيضا.

بعد ذلك بأيام سافرت إلى مكة المكرمة ففوجئت بمكالمة من الأميري ولا أدري من دله على مكان إقامتي، وأمطرني خلالها بوابل من عبارات الاحتجاج والغضب لما دعاه تحريضا مني لصديقي الشيخ حمد الصليفيح الأمين العام للجنة العليا للتوعية الإسلامية في السعودية عليه، حاولت أن أبين له أنني لا علم لي بما يتحدث عنه فلم يصدق، فختمت حديثي معه بالعبارة التالية:

- اسمع أيها الرجل، الموضوع الذي تتحدث عنه لا أعلمه مطلقا، وخصومتك مع الشيخ حمد الصليفيح خصومة بين ندين متكافئين ، أنت عزيز بمكانتك عند السلطة المغربية التي أرسلتك وترعاك، وهو عزيز بين أهله وقومه، أما أنا فمجرد مهاجر في سبيل الله ضعيف مستضعف لا قبل لي بما تقول، فأرجو أن لا تحرجني بهذه المواضيع.

اتصلت بالشيخ حمد عقب ذلك وسألته عن الأمر وخلفياته فذكر لي أن الأميري قام في الرياض بجولات لدى الأمراء والمسؤولين الأمنيين في السعودية يحذرهم من خطورة قبول إيواء شخص شيوعي مثلي، وأن الشيخ حمد تصدى له وأفشل لدى المسؤولين مسعاه، وبين لهم تهافت ما ينقله وافتراء ما يدعي، وهو لذلك في أشد حالات الغضب والغيظ.

أما الأصل الذي حاول الأميري أن يسقط به علي تهمة الشيوعية فيعود إلى نِشأة الحركة الوطنية المغربية المناوئة للاستعمار الفرنسي، وكانت في مبتدئها سلفية التوجه إسلامية العقيدة، فانضم إليها وتربى في أحضانها الشباب وكنت منهم، ثم لما خاضت معركة المقاومة المسلحة ضد الاستعمار الفرنسي سنة 1953 كنت بفضل الله تعالى من رعيلها الأول، ثم لما حصل المغرب على استقلاله انشق حزب الاستقلال الذي قاد الحركة الوطنية إلى جناحين ( حزب الاستقلال الأم ، وحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية)، فكان حزب الاستقلال مؤيدا للنظام بتوجه نخبوي علماني يحتفظ ببقايا من رجال الحركة السلفية المؤسسة ومنهم الشيخ علال الفاسي والشيخ محمد المختار السوسي والشيخ الشهيد عبد العزيز بن ادريس رحمهم الله تعالى، وكان الاتحاد الوطني معارضا للنظام بتوجه شعبي، ويحتفظ كذلك ببقايا أخرى من شيوخ الحركة السلفية المؤسسة على رأسهم شيخ الإسلام محمد العربي العلوي والشيخ محمد الحمداوي والدكتور المهدي بن عبود وبعض الشبان السلفيين من مرحلة المقاومة على رأسهم عبد ربه ( عبد الكريم مطيع )، ثم ما لبث أن هيمن على هذا الحزب تيار الاشتراكية بقيادة المهدي بن بركة، وفشلت نخبته الإسلامية في أسلمته فابتعدت عنه، واتجهت للدعوة الإسلامية المباشرة خارج نطاق الحزبية.

وكانت لي جلسات مشاورة ومداولة حول ما ينبغي عمله للإسلام والمسلمين، مع مجموعة الشيوخ المنسحبين من الاتحاد الوطني( ومنهم الدكتور المهدي بن عبود والشيخ محمد الحمداوي رحمهما الله تعالى)، ثم جلسات أخرى لتبادل الرأي حول الموضوع نفسه مع الشيخ علال الفاسي والشيخ محمد المختار السوسي رحمهما الله من حزب الاستقلال؛ ومن هنا كان المفصل الحاسم الذي انطلقت منه في عملية التأسيس بعد أن استوعبت الحال وقدرت الخطوات وجمعت آراء الرجال.

هذه هي المرحلة الغامضة والمنطقة الغائمة في تاريخ تطور الحركة الإسلامية المغربية ونشأتها، وقد حاول الأميري استغلالها وتوظيفها بتوجيه من الأجهزة الأمنية المغربية، وهو ما يفعله حاليا بعض المستكتبين من صبية الصحافة وشحاذي نكهة المرجعية الإسلامية الذين يجهلون جهلا مطلقا مبتدأ الأمر ومنتهاه.

وخلال مقامي في مكة المكرمة ما بين 1976 و1979 تردد عليَّ مرارا الدكتور توفيق الشاوي، وكان مستشارا لشركة أرامكو ثم لأول برلمان مغربي ثم لبعض الأمراء في السعودية، وفي كل مرة كان يعرض وظيفة لتملأ وقتي وتسليني كما يدعي، عرض عليَّ مرةً الانتقالَ إلى السودان لأكون مستشارا للنميري في مجال تطوير الأربطة القرآنية فاعتذرت بكل أدب، وعرض عليَّ ثانيةً العملَ بوزارة التعليم في الرياض مستشارا تربويا فصرفته بكل احترام، وكانت الثالثة عندما اتصل بي هاتفيا من جدة ودار بيننا الحوار التالي:

قال: ما رأيك في أن تعينك السعودية أستاذا زائرا تتنقل بين عدة أقطار عربية لإلقاء بعض المحاضرات، ويكون لك بجانب راتبك تعويض مجز عن السفر والتنقل؟ لكن بشرط أن تنسى المغرب لبضع سنوات ثم نأتيك بأهلك وأبنائك إلى السعودية بعد ذلك؟

أجبته: أشكر لك اهتمامك وحسن محاولتك المساعدة، ولكنني لست في حاجة إلى هذا، فلدي ما يشغلني ويملأ وقتي، دعوتي وبلدي، لا يمكن أن أنسى دعوتي أو أتخلى عن وطني، وجزاك الله خيرا في كل الأحوال، أما أهلى وأبنائي فلهم الله تعالى هو مولاهم.

قال: يا أخي ليكن في علمك أن السعوديين متضايقون من وجودك في مكة.

قلت: الأمر بسيط ، أغادر إلى أوربا في أقرب فرصة، فليس لدي هنا ما يربطني سوى الحج والعمرة وقد أديتهما مرارا.

قال: أرى أن هذا سيجعلني أنفض يدي من قضيتك.

قلت: ومن طلب منك أن تضع يدك في قضيتي أول مرة؟ انفض يدك عاجلا من الأمر، وشكر الله لك عمل الفضولي الذي تقوم به.

قَطَعَ المكالمة، وتوجهتُ مباشرة إلى شركة الخطوط الجوية وحجزت تذكرة للسفر إلى روما بعد يومين.

وفي مساء اليوم نفسه اتصل بي الأخ الدكتور عبد الحميد أبو سليمان الأمين العام للندوة العالمية للشباب الإسلامي ودعاني للقدوم عنده في الرياض فاعتذرت دون ذكر السبب، ولكنه ألح في الأمر فأخبرته بعزمي على السفر مودعا، فقدم عندي مستفسرا ؛ وكان تعليقه على موقف الدكتور توفيق قوله:

- الدكتور توفيق الشاوي ليس سعوديا ولا يتكلم باسم المملكة، فاعتبر كل كلامه لغوا، المملكة العربية أرض لك ولكل المسلمين، ولن ترى فيها ما يزعجك، وأنت في ضيافتها على الرحب والسعة. ثم أخذ جواز سفرى وكانت تأشيرتي فيه لعمرة، فسعي لتحويلها إلى إقامة.

هذا بعض ما كان في الهجرة، أما في المغرب فلما بدت لهم ملامح الفشل سعوا إلى بتر جمهور الدعاة عن القيادة والاستحواذ عليه، وفي هذا الاتجاه عَمَدَتْ بأوامر أمنية مجموعةٌ من صبية مرحلة التأسيس - على رأسهم ثلاثة غلمان من أسر فقيرة في حوالي العشرين من أعمارهم ، وهم المدعو نور الدين دكير ( وظف بعد ذلك في جهاز الأمن الداخلي بمنطقة عين السبع ثم في تمارة ) والمدعو عثمان منار (كوفئ برخص تجارية تغطي تعاونه الأمني وترضي مستوى همته) والمدعو عبد الرحيم السعداوي ( توفي بعد إرساله إلى بلجيكا) - إلى الزعم بأن قيادة الحركة تريد ضبط الأعضاء، وأن على الجميع القيام بإحصاء دقيق يشمل كل الخلايا وأسماء أعضائها وعناوينهم ومستوياتهم الدراسية وحالتهم المدنية، ثم سلموا ما استطاعوا جمعه من قوائم لجهاز حماية التراب الوطني "DST " يدا بيد إلى الحسين جميل ومحمد الروداني( عنان ) .

كما أن من محاولات محو الذاكرة وإفساد التوجه العقدي للحركة أيضا ما قام به أحد المشعوذين المرتبطين بالأجهزة من ترويج إشاعات كاذبة عن كرامات نسبها إليَّ ، ورجالٍ من الجن يسخرهم، أرسلهم إلى مكة والكويت فرأوني والتقوا بي حسب زعمه. وتبعه في نفس النهج شاب آخر من فصيلة المتعاونين خطب فتاة واتفق معها على ابتزاز بعض المغفلين من المتعاطفين بادعائها الإغماء والتحدث عن أخيهم المهاجر وأخباره وكراماته، ثم لما فسخت خطوبتها اعترفت بأن أمرها مجرد خداع متفق عليه بينها وبين خطيبها السابق، وكان واجبا علي أن أتصدى لهذه الترهات حال ورود أخبارها إلي، وأن استأصلها حفاظا على سلامة العقيدة وصفاء النهج واستقامة خط الدعوة.

ثم بعد ذلك قامت قيامة " أُغَيْلِمَةٍ " أمسكت الأجهزة بتلابيبهم من أجل تهديم ما توهموا قابليته للهدم من صرح الحركة وأركانها، فصالوا وجالوا وافتروا وبهتوا، مؤملين أن يكونوا وارثيها ومرتضعي ألبان المتاجرة فيها. لكن ظنهم خاب، لأن للدولة منهجا خاصا، تعامل به العملاء من الطبقات السفلى وغير المرتبين في سلم نخب السلطة. لذلك استخدمت أولا أبناء الطبقة الدنيا للهدم والنباح والهراش والمشاكسة الشرسة، ثم صرفتهم بمكاسب مادية تناسب وضاعة منزلتهم الاجتماعية مدرسين في بعض المراكز الإسلامية بأوربا، أو موظفين في بعض المرافق الأمنية، أو متعاونين أمنيا تحت غطاء مشاريع تجارية بسيطة. ثم فسحت بعد ذلك مجال القيادة لبعض المستلحقين المستنبتين في الساحة، من أبناء النخبة الموالية لها تاريخيا وماليا واستخباراتيا وسلوكيا. ممن حاول زعيمهم المدعو ( عبد الإله بنكيران )الاندساس في الحركة عقب هجرتي، وكان يتعامل مباشرة مع ضابط الأمن " الخلطي " وكلما حزبه أمر مع أصحابه طمأنهم مفتخرا بأن سيأتيهم بالتوجيه الرشيد منه. قام هذا الشخص بزيارتي في موسم الحج بمكة المكرمة، وبعد أن عرفني باسمه ولقبه ومهنته، التمس مني استضافته في فترة الحج نظرا لما زعم من ضيق ذات يده، ثم لما هم بالعودة طلب أن أساعده بثمن تذكرة السفر الذي زعم أنه استدانه من بعض أصحابه فأعطيته ما طلب. وفي سنة 1980 بعد أن خرجت من السعودية مضطرا إلى روما عاود الاتصال بي وطلب الإذن له بزيارتي فاعتذرت بأني لا أستطيع مساعدته في شراء تذكرة السفر، ولكنه ذكر أن "إخوة في الله ‍‍! " سوف يشترونها له، وبعد أن أذنت له زارني محملا بأنواع حلوى ولذيذ طعام زعم أنه إكرام منه لي في غربتي، وأنزلته في فندق وأنفقت عليه من ضائقتي، دون أن أحرجه بالإشارة إلى سخافة أساليبه التي يروم بها مرسلوه معرفة مقدرتي المالية واستنـزافها في مرحلة حرجة أمر بها، إذ كنت قد أجبرت على مغادرة المشرق العربي، ولم أحصل بعد على حق الإقامة أو اللجوء السياسي في أي بلد، وما لديَّ من نفقة يتناقص يوما عن يوم، وليس عندي رافد مالي، كما لم أُلَمِّح له بأنني أعرف خلفية زيارتيه السابقة واللاحقة قبل وصوله في الأولى والثانية، وشبكة اتصالاته السرية وهو في ضيافتي، ثم زاد فأسرف عليَّ وطلب مني تغطية نفقة سفر له إلى فرنسا يستمر يومين أو ثلاثة فأعطيته ما طلب. ثم عند عودته من فرنسا قال لي:" أرجو أن تعطيني ما أشتري به هدايا لزوجتي ولأهلك وأبنائك، فلا يجوز أن أعود إليهم خاوي الوفاض"، فأعطيته ما أراد، ولما رجع إلى الدار البيضاء اتصلت بأهلي فذكروا لي أنه قبل سفره إلى روما طلب من ابني مالا اشترى به لحما أتى به إلى بيتي راجيا أن يطبخه أهلي ويضيفوا له حلوى يأخذها إلي، فضحكت وتذكرت قول المتنبي في كافور ( جوعان يأكل من زادي ويمسكني)، حينئذ عرفت طينة الرجل ومعدنه، وتذكرت كلمة عابرة صدرت منه عندما كان عندي إذ وصف نفسه بالذكاء الذي يجعله يزوج البَخْرَاءَ من فاقد الشم. ثم بعد حين أرسل إليَّ يطلب ثمن التذكرة التي أتى بها إلى روما.

هذه نماذجُ من محاولات محو الذاكرة، وأصنافٌ من المتشيطنة الذين سُخِّروا في الأمر، ومن الذين يقود بعضهم حاليا أحزاب" نكهة المرجعية الإسلامية " ، ممن اعتمدت عليهم الأجهزة في مهمة تخريب الحركة وتشويه سمعتها ومصادرة تاريخها، اكتفيت في هذه الحلقة بحالات منها مختزلة، لأن محاولة استقصاء طرائف شطحاتهم وتصرفاتهم يخرج بنا إلى التأليف الموسوعي التراثي على غرار ما كتب الجاحظ في حيوانه وبيانه وتبيينه، وابن عبد ربه في عقده الفريد، وهذا لا يستقيم مع النهج الذي أتبعه.

وما كنت لأذكر هذه النماذج لولا إلحاح الإخوة على ذلك، رغبة منهم في التوثيق التاريخي وإثراء التجربة، وتذكير الجيل الصاعد بسبل المنحرفين والماكرين بدعوة الله تعالى والفاتنين صف أوليائه، لاسيما وهم مازالوا سادرين في غيهم، ولا تبدو عليهم مخايل التوبة والكف عن المتاجرة بالدين، وقد أخبرنا القرآن الكريم والسنة النبوية خبرهم وبينا صفاتهم وحذرا من ضلالاتهم (وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ ) الأنعام 55

عبد الكريم مطيع الحمداوي








 
محمد سرور غادر سورية بعد نكبة الاخوان..خلط حركية الاخوان بثورية قطب بسلفية ابن تيمية ... الحركات الإسلامية بعد 11 سبتمبر : خلفيات و خلافات ...!!


 
 



Sagrado Coran
Hadiz
Biografia Profeta
Al Fatwa
Jutbas del viernes
El Islam y sociedad
Informa.de interes
Biblio.Principe Fahd
Amistades
El Islam y Al-Andalus
Quienes somos
Nuevas ediciones
La otra opinion


director de redaccion
Mouad Bachar Al-Idrissi
mouad_bachar@hotmail.com

Comuni .Musul. En España
E. Mail : para contactar con nosotros
AltaVista
 
 Buscar
 
 
الموقع ليس مسؤولآ عن ما يتشر فيه من آراء و مواضيع فهى تخص أصحابها
Esta publicacion electronica no se hace responsable de la opiniones vertidas

Contacte con nosotros لمراسلة الموقع

Este sitio ha sido visitado 22045 veces