|
| |
كان عبد الله بن ياسين يشكل القيادة الروحية للمرابطين بينما توالى في عهده على القيادة السياسية الميدانية عدة أمراء منهم يحيى بن إبراهيم. ثم ولى عليهم يحيى بن عمر اللمتوني حيث كان هذا الأخير يتولى النظر في أمر الحرب بينما كان عبد الله بن ياسين ينظر في أمر الدين وأحكام الشرع ويأخذ الزكوات والأعشار. ثم جاء بعده أخوه أبو بكر بن عمر، وكان رجلا صالحا ورعا، وكان قد تزوج زينب بنت إسحاق النفزاوية وكانت بارعة الحسن والجمال وحازمة لبيبة ذات عقل رصين ورأي متين ومعرفة بإدارة الأمور. ولما ورد احتلال أمر الصحراء واقتتال أهلها ووقوع الخلاف بينهم عزم على الخروج إليهم ليصلح أمرهم فطلق امرأته وأمرها أن تتزوج بعد اكتمال عدتها ابن عمه يوسف بن تاشفين ولما أن تحققت بغيته وأعاد الهدوء والاستقرار للصحراء رجع إلى مقر ملكه، وكان يوسف بن تاشفين قد استفحل أمره أيضا بالغرب واستولى على أكثر بلاده قبل أبو بكر بن عمر ليختبر أحواله وكان قد عزم على عزله فاستشار يوسف بن تاشفين زينب فأشارت عليه قائلة: "إن ابن عمك متورع عن سفك الدماء، فإذا لقيته فاترك ما كان يعهد منك من الأدب والتواضع معه! واظهر أثر الترفع والاستبداد حتى كأنك مساو له، ثم لاطفه مع ذلك بالهدايا من الأموال والخلع وسائر طرف المغرب واستكثر من ذلك فإنه بأرض صحراء كل ما جلب إليه من هنا فهو مستطرف لديه".
وقد فعل يوسف بن تاشفين ذلك علي ما يذكر الناصري وعلم أبو بكر من حاله أنه لا يتخلى له عن الأمر، فتنازل له قائلا: "إني قد وليتك هذا الأمر وإني مسؤول عنه فاتق الله تعالى في المسلمين واعتقني واعتق نفسك من النار ولا تضيع من أمور رعيتك شيئا فإنك مسؤول عنه، والله تعالى يصلحك ويمدك ويوفقك للعمل الصالح والعدل في رعيتك وهو خليفتي عليك وعليهم. ثم ودعه وانصرف إلى الصحراء فأقام بها مواظبا على الجهاد في أهل السودان إلى أن استشهد بعد أن استقام له أمر الصحراء كافة إلى جبال الذهب في بلاد السودان.
وكان يوسف بن تاشفين كما حكى ذلك ابن الأثير في كامله "حسن السيرة خيرا عادلا يميل إلى أهل العلم والدين يكرمهم ويحكمهم في بلاده، ويصدر عن رأيهم، وكان يحب العفو والصفح عن الذنوب العظام، من ذلك أن ثلاثة نفر اجتمعوا فتمنى أحدهم ألف دينار يتجر بها، وتمنى الآخر عملا يعمل فيه لأمر المسلمين، وتمنى الآخر زوجته وكانت من أحسن النساء ولها الحكم في بلاده، فبلغه الخبر فأحضرهم وأعطى متمني المال ألف دينار، واستعمل الآخر وقال للذي تمنى زوجته: "يا جاهل! ما حملك على هذا الذي لا تصل إليه!؟" ثم أرسله إلى زوجته فتركته في خيمة ثلاثة أيام، ثم أمرت بأن يحمل إليه كل يوم طعام واحد ثم أحضرته وقالت له: >ما أكلت في هذه الثلاثة أيام؟ قال: "طعاما واحدا" فقالت له: "كل النساء شيء واحد" وأمرت له بمال وكسوة وسرحته إلى حال سبيله.
|
|
|
|
| |
|

|