يرتفع جدل على الساحة الإسلامية حول من يمثل الإسلام ويملك حق البت في قضايا الأمة وما تتعرض له من أحداث طارئة أو أوضاع تركيبية وعرضية. ولا شك أن تنظيم القاعدة بقيادة أسامة بن لادن قد دفع بهذا الجدل بقصد أو بدون قصد إلى صدارة التفاعل الفكري الإسلامي. وكأي مواطن عربي ومسلم، أستمع إلى الكثير من الآراء التي يتم طرحها عبر وسائل الإعلام وأحاول إدراكها بقدر طاقتي. ويبدو لي أن الأبعاد الفكرية لهذه الآراء لا تخرج عن الأنماط العامة التي اعتاد المراقب على سماعها عبر السنوات، لكن الخيوط الفاصلة بينها تأخذ الآن منحى أكثر وضوحا وربما رؤى استقطابية. وبغض النظر عما يمكن أن يحمله الجدل من توتر أو ضيق بالطرف الآخر، يبقى من المتوقع أن يعود على الفكرة الإسلامية بصورة عامة بالإثراء.<
يقول بعضهم أن أسامة بن لادن قد أقحم المسلمين في أعمال تضر بهم وبالإسلام وأنه قد تجاوز حدوده في تنصيب نفسه كممثل للإسلام. إنهم يرون أنه استطاع بأعماله أن يضع فكره الإسلامي في المقدمة ليشكل محورا تدور حوله الأفكار الإسلامية على مختلف مشاربها. في هذا، كما يرون، نوع من التجني على الإسلام بخاصة أن ما قام به (إن كان هو الذي قام) يتجاوز حدودا إسلامية. وقد أشار بعضهم إلى تحريم الإسلام للاعتداء على الأبرياء والاتجار بالمخدرات وهدم المباني المدنية الخاصة والعامة، وأن من يقوم بهذه الأعمال باسم الإسلام يعطي صورة قبيحة عن الدين ومعتنقيه.<
بينما يرى آخرون أن المسلمين عانوا من الاستضعاف والإهانات والإذلال على مدى سنوات طويلة، وأن ما فعله بن لادن لا يتعدى عيونا حمراء في وجه الغرب. من المهم أن يفهم الغرب أن المسلمين ليسوا مطايا مذللة لا حراك فيها، وأن لكل فعل رد فعل. ويضيف هؤلاء أن الإسلام يحرض على مواجهة الظالم ويدعو إلى رد العدوان، وأنه ليس من الإسلام الاستكانة أو التقاعس أو القبول بالهزيمة. صحيح أن أبرياء يسقطون إلا أن التمسك بالمبدأ الأسمى أو الأعم والقاضي برد العدوان له أولوية على مبدأ عدم المس بالأبرياء. ويلجأ بعض هؤلاء إلى القاعدة التي تقول أن الضرورات تبيح المحظورات. <
يصاحب هذا الجدل العام جدل حول قضايا فرعية مثل خدمة المجندين المسلمين في الجيش الأمريكي وجواز قتالهم في أفغانستان. منهم من أفتى بأن الضرورات تبيح المحظورات مع توخي الحذر، ومنهم من قال أن هذه القاعدة لا تتضمن الأعمال التي قد تقود إلى القتل وبالتالي تحرم المشاركة. لكن هناك من لا يرى حرجا في المشاركة القتالية لأن الحرب ضد الأشرار وليس ضد المسلمين. ينضم إلى أصحاب هذه الفتوى الرئيس الأمريكي الذي ما فتئ يؤكد على أن الحرب ليست ضد المسلمين وإنما ضد الإرهابيين الذين يدّعون الإسلام. ولا يخلو من بين المسلمين من يرى جواز انضمام جيش دولة مسلمة إلى القتال ضد الأفغان.
هذه ليست المرة الأولى التي تطفو عليها الفتاوى المتناقضة والتي تبدو أحيانا متصارعة، بل أن المرات كثيرة وهي مرشحة للتكرار والتنوع. هذا الأمر ليس بالضرورة عارا أو أمرا شاذا وإنما ينبثق من حالة من التيه الفكري أو الظنية أو غياب المنهجية العلمية التي تشهدها الأمة في هذه المرحلة التاريخية. تعاني الأمم التي تعيش مراحل تاريخية انتقالية من أنواع من التشتت بسبب بحثها عن الذات وعن تلك القواعد التي تشكل أسس الاستقرار النسبي والانطلاق منها نحو التقدم والبناء الواعي. تكثر عادة في هذا المرحلة الأحزاب والاجتهادات والحركات والجماعات المنغلقة والتعصب مما يقود إلى نوع من التفتت من ناحية وإلى نوع من الصعود نحو الحقيقة من ناحية أخرى.<
في خضم هذا التنوع الذي يرتقي إلى نوع من الفوضى من الممكن رسم بعض التصنيفات الفكرية والفقهية التي تُدخل المسلم في حيرة من أمره أذكر منها:
أولا: العلاقة مع الحكم. هناك رجال دين رسميون وآخرون شبه رسميين وغير رسميين. يتحدث رجال الدين الرسميين لغة دينية خاصة ذات علاقة وثيقة بوجهات نظر أو فلسفة السلطة الحاكمة، وهم يحاولون التمسك بالأدلة والتفسيرات التي تتمشى مع الرغبات الخاصة أو، على الأقل، لا تتعارض معها. أما رجال الدين شبه الرسميين وهم الذين تفتح لهم وسائل الإعلام الرسمية أبوابها ويملكون فرصة مخاطبة الجمهور عبر وسائل مختلفة فيحاولون عدم استعداء السلطة الحاكمة ولكن دون استعداء الجمهور. إنهم يفضلون المحافظة على نوع من الهيبة الدينية لدى الجمهور مع عدم الوقوع في مخالب السلطة، ويبحثون دائما عن تلك المقولات أو التفسيرات التي تبرر مسك العصا من المنتصف. يحاول هؤلاء صنع صورة المعتدل الذي لا يدفع الأمور نحو المواجهة أو الصراع ويركز على إمكانية تعايش وجهات النظر المختلفة.<
أما غير الرسميين فلا يتميزون بطيف واحد وإنما تتعدد توجهاتهم. منهم من انسحب من الحياة الدنيا وفضل الانزواء والتصوف ومنهم من حمل السلاح وتسلق الجبال طامحا إلى تغيير الأمور بالقوة. بين هذا وذاك يمكن ملاحظة مجموعات عديدة يستند كل منها على تفسيره الخاص لما يجب أن تكون عليه الأمور. حزب التحرير الإسلامي مثلا يرى ضرورة إقامة الخلافة عن طريق النصرة، بينما ترى جماعة الدعوة أن دعوة الناس إلى الإسلام بالتذكير وبالكلمة الطيبة هي أفضل الوسائل لإعلاء كلمة الله، في حين ترى بعض الفئات الجهادية أن حمل السلاح في مواجهة الخارجين عن الدين من الحكام عبارة عن فرض على كل مسلم ومسلمة.<
ثانيا: التنظيم. هناك من يرى أن العودة إلى الحياة الإسلامية الصحيحة يتطلب التخلص من أنظمة الحكم القائمة وأن هذا لن يتأتى إلا بالتنظيم الذي قد يكون سياسيا فقط أو يتعداه ليشمل البعد العسكري. يقول هؤلاء أن الأهداف العامة لا يمكن تحقيقها بجهود فردية ولا بد من تجميع القوى والطاقات في سبيل ذلك. أم آخرون فيقولون أن التنظيم عبارة عن درب من دروب الحزبية التي تفتت المسلمين إلى مجموعات كثيرة. فبدل أن يكون هناك تيار شعبي عام يسير بحس إسلامي عام يتحول الشارع الإسلامي إلى أحزاب قد تكون متنافسة وتنتهي إلى نوع من الفتنة تأكل الأخضر واليابس.<
ثالثا: الفكر والفقه. ما أعنيه بالفكر هو البحث في أسس الفكرة الإسلامية ومبادئها وربطها معا لتشكل كلا متكاملا تقاس حسبها التفاصيل التي تطرأ في مختلف نشاطات الحياة. أما الفقه فأعني به البحث في حكم كل ما يطرأ من تفاصيل يومية دون أن تكون هناك بالضرورة مرجعية فكرية. الاتجاه الفكري على الساحة الإسلامية ضعيف جدا على الرغم من تزايد عدد الدارسين للإسلام فكريا خلال العقدين الأخيرين، تبقى اليد الطولى للفقهاء. يلاحظ المسلم من خلال العديد من البرامج الثقافية الإسلامية التي يتم بثها بوسائل عدة انشغال فقهاء المسلمين بقضايا يومية قد لا تكون ذات أولوية في معالجة هموم ومشاكل المسلمين في هذا الظرف التاريخي. ينشغل الفقهاء كثيرا في قضايا مثل أحكام الصلاة أو الوضوء أو الأضحية، ويوظفون الكثير من أوقاتهم وجهودهم في البحث في قضايا النساء مثل اللباس والخروج للعمل وطاعة الزوج، الخ. يرى مفكرون أن التركيز على القضايا الفقهية قد أدى إلى تعقيد الدين الإسلامي وتعسيره لأنه تتم دائما إضافة تفاصيل على تفاصيل الأحكام والسلوك بحيث لم يعد أمام المسلم مجال للمبادرة وتقدير الموقف الإسلامي حيال نشاطات بسيطة بطريقة ذاتية. وهم يرون أن على المسلمين أن ينشغلوا الآن في تحرير أنفسهم من الاستعباد والظلم وأن ينطلقوا إلى البناء والتقدم وذلك من خلال التركيز على أن الإسلام دين علم وعمل وليس دين استكانة وشعائر خالية من انعكاساتها العملية.<
رابعا: الكهنوتيون والحركيون. هناك من بين المسلمين من يرون أن الحياة العامة في هذه الأوقات صعبة جدا ولا ينال من ينشط فيها سوى المشقة والتعب بلا طائل. الأوضاع بالنسبة لهؤلاء فوق طاقة الإنسان على تغييرها وأنه لا بد من تدخل إلهي. ولهذا يرون أنه من الأفضل للمسلم الصادق الآن أن يتوجه إلى الله سبحانه بالشعائر والإكثار من الدعاء انتظارا لإرادة إلهية نافذة. في مقابل هذا الفهم الكهنوتي للدين يرى الحركيون أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وأن الانسحاب من الحياة العامة عبارة عن انتهاك لمبدأ إسلامي هام يقول أن المشاركة في الحياة العامة بحلوها ومرها عبارة عن واجب. إنهم ينظرون إلى العمل العام على أنه عبادة كما أن الشعائر عبادة، وقد يكون الحرص على المصالح العامة أحيانا أهم بكثير من أداء الشعيرة. يسلم الكهنوتيون أمرهم لله بطريقة تواكلية بينما يسلم الحركيون أمرهم لله توكليا.
خامسا: المسجد والجامع. من المسلمين من يرون في المجتمع الإسلامي مسجدا بمعنى أن الناس يتجمعون من أجل شعيرة وينفضون مسلّمين أمرهم لأصحاب الشأن من السياسيين أو الإداريين، بينما يرى آخرون أن المجتمع الإسلامي عبارة عن جامع يجمع الناس في سجودهم وفي التداول في مختلف نواحي حياتهم. على المسلم، بالنسبة لهم، ألا يسلم أمره إذعانا لأحد سواء كان سياسيا أو إداريا وعليه أن يتأكد باستمرار بأن القائم على شؤون المسلمين ملتزم إسلاميا وبمصالح المسلمين. تروق فكرة المسجدية لأصحاب الحكم، بينما تحظى الجامعية بتأييد المنادين بالتغيير.<
سادسا: السنيون والقرآنيون. يعتمد أغلب المسلمين الآن بخاصة الفقهاء على ما يرون أنه السنة الصحيحة في إصدار الفتاوى والأحكام. إنهم يرجعون إلى القرآن الكريم أحيانا ويعملون في الغالب على تصدير أحاديثهم بآية، لكنهم يسهبون في متن أحاديثهم في الاعتماد على ما يرون أنها أحاديث صادرة عن الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى أقوال السلف الصالح. بينما يرى مسلمون آخرون أن القرآن هو المرجعية الأولى للمسلمين ولا يجوز القفز عنه لصالح أقوال لا ترتقي إلى القطعية. إنهم لا ينكرون السنة جملة وتفصيلا ولكنهم يتحفظون على بعضها ويدعون إلى ضرورة الاحتكام إلى القرآن الكريم حتى لا يتفرق المسلمون ويضلوا سواء السبيل.<
لم أستنفذ بهذه التصنيفات الصورة العامة للرؤى الإسلامية لكنني لمست على اتجاهات قد تتفاوت النظرات في ترتيبها. ومهما يكن، تشير التعددية الواضحة في الطروحات الإسلامية إلى مرحلة من المخاض التي تتجه نحو الوضوح ومن ثم الاستقرار. التعدد القائم ليس بالضرورة سلبيا، ومن المحتمل أن يكون المقدمة الضرورية نحو بلورة فكر إسلامي يرتقي ويتشعب علميا ومنهجيا. بعض مما هو قائم حاليا من اتجاهات ينطلق من انفعالات وعوامل نفسية بعيدة عن البحث العلمي، ومن الوارد أن استمرار الجدل سيؤدي بها إلى الزوال لصالح المنطق العلمي في فهم مختلف القضايا الدينية ذات العلاقة بأحوال الناس وإدارة شؤونهم. ومن هنا إلى أن تستقر الأمور تبقى فكرة احتكار الدين هي الأخطر في تقويض منعة المسلمين. صحيح أنه لا يحق لأسامة بن لادن أن يدعي احتكار الفكرة الدينية ويقول أنه هو الوحيد الذي يملك الحقيقة، لكنه لا يحق أيضا للسلطة الحاكمة أن تقرر أنها تملك الحقيقة وتلاحق كل من يعارضها على أنه منشق وزنديق، ولا يحق لأي فقيه أن يجلس أمام شاشة التلفاز يصدر أحكامه على إسلام الناس وصدقهم. المطلوب هو أن نقر بتعدد الاجتهادات ونفسح المجال أمام الجدل والنقاش لكي تأخذ الأمور مجراها الإسلامي الصحيح البعيد عن التهديد والوعيد للرأي الآخر. وقد لا تكون المشكلة في الذين يدعون الحقيقة ولكن في الذين يحملون العصا لملاحقتهم. <
|
|