عن ( الأحداث المغربية )
الخميس 7 ابريل 2005
تفرض علينا مستجدات الحياة أن نتعامل مع الفقه القديم بحذر، فاتحين عقلنا ووجداننا من أجل فقه جديد ومتجدد. دوما وجد الحكام من يغطي إستبدادهم برداء ديني المسلمون كغيرهم اختلفوا حول موضوع العقل وإعماله.. فالبعض منهم يفسر الظواهر الاجتماعية والسياسية والاقتصادية تفسيراً عقلياً أي علمانياً التراث كان وسيبقى ثنائياً مثله مثل الحاضر والمستقبل. إذا تابعنا تصرفات ومواقف الخلفاء الراشدين وهم قادة مسلمي الصف الاول .. وحتى في مسائل حاسمة كالحدود نكتشف أنهم أعملوا العقل لا النقل .
قدر العلمانية في الوطن العربي .. هو عنوان الملف الجديد الذي تفتحه "الأحداث المغربية"أمام قرائها.وقد اختارت الجريدة أن تستضيف نخبة من المثقفين المغاربة والعرب البارزين لكي يتحدثوا عن هذا الموضوع بكل حرية ومسؤولية، معتبرين أن آراءهم ومواقفهم تظل قابلة للنقاش لأن كل شيء في المعرفة رهين بالنسبية. إن إعادة فتح النقاش، من جديد، حول العلمانية في الوطن العربي، يكتسي أهمية قصوى في الظروف الراهنة خاصة بعد تنامي تيارات الحركات الأصولية المتطرفة التي لم تتوقف حناجرها وأقلامها عن تكفير وسب وشتم دعاة رواد التحديث في العالم العربي. ووصلت محنة العلمانيين الى حد أن ذهب ضحيتها الكاتب المصري فرج فودة كانت العلمانية وستظل مشروع النخبة العربية المثقفة التي تصبو نحو تأسيس مجتمع عربي يقوم على حق الجميع في العيش فوق أرض واحدة تتقاسمها أديان وعقائد مختلفة لائحة المثقفين الذين استجابوا للورقة التي بعثتها لهم الأحداث المغربية هم: عبد الهادي بوطالب،رفعت السعيد، نصر حامد أبو زيد، محمد سبيلا،محمود إسماعيل، مراد وهبة، منى أبو سنة، شريف حتاتة، كمال عبد اللطيف، سعيد لكحل،شاكر نابلسي، محمد الشرفي،حميد لشهب، صلاح عيسى و محمد عصيد... كما أن اللائحة ستظل مفتوحة في انتظار مساهمات أخرى. هذا الملف اخترنا أن تتمحور أسئلة النقاش فيه حول:
إعادة تشكيل مفهوم جديد للعلمانية
محنة العلمانيين العرب
فشل العلمانية في الوطن العربي بين الشك واليقين
دور التيار الإسلامي في فشل الخطاب العلماني العربي
دور الأنظمة العربية في إضعاف التيار العلماني
هل الديمقراطية ممكنة من دون علمانية ومن أجل جعل النقاش مفيدا ومهما، تركنا حرية الاختيار أمام المثقفين، الذين ننشر مساهماتهم هنا، بين الإجابة عن الأسئلة الخمسة عشر التي طرحنا عليهم أو عن جزء منها أو المساهمة بمقال تحليلي.وكانت الاستجابة في المنحيين معا.
الاسلام والعلمانية: قال الامام أبو حنيفه: «كلامنا هذا رأي فمن كان لديه خير منه فليأت به» وقال أحمد: «لا تقلدني. ولا تقلد مالكا ولا الشافعي ولا الثوري وتعلم كما تعلمنا». وقال الجوزي: «فى التقليد إبطال لمنفعة العقل لأنه إنما خلق للتدبر والتأمل، وقبيح بمن أعطى شمعة يستضئ بها أن يطفئها ويمشي في الظلام». انها دعوة ملحة لإعمال العقل بدلا من النقل. ورفض التقليد الاعمى للتراث. ودعوة لاحترام الرأي الاخر.. لكننا نخطئ إذا تصورنا وجهاً واحداً للموقف - إزاء العقل والعلم. فالمسلمون كغيرهم إختلفوا حول موضوع العقل وإعماله.. فالبعض منهم يفسر الظواهر الاجتماعية والسياسية والاقتصادية تفسيراً عقلياً أي علمانياً، والبعض يفسرها تفسيراً دينياً محضاً.. ولنأخذ مثالا القاضي عبد الجبار وهو معتزلي يتحدث في كتابه «المغنى» عن أسباب الغلاء فيقول انها «قلة الشيء مع شدة الحاجة إليه، أو كثرة المحتاجين بالنسبة إلى ما هو موجود. وإن ما يجري من الغلو في التسعير إنما أنشأه بعض الظلمة ويؤدى إلى فساد يعم الفقراء، وعلى الحاكم التدخل لتسعير السلع تسعيراً ييسر على الفقراء معاشهم». [انها نظرية العرض والطلب مصطحبة معها توجها إجتماعياً]. بينما الامام الباقلاني وهو أشعري يقول فى كتابه «التمهيد» «ان الغلاء والرخص فى الاسعار إنما يرجعان إلى الرغائب والدواعي، فإن جميع الاسعار من الله سبحانه وتعالى لأنه هو الذى خلق الرغائب فى الشراء ووفر الدواعي إلى الاحتكار». إنهما موقفان.. أحدهما علماني عقلاني والآخر يعود لتفسير كل شيء تفسيراً غيبياً محضاً. وكان الموقفان موجودين دوما، يتناقضان ويتواجدان معاً. وفى رؤية التراث تتبدى الثنائية أيضا، وهى ثنائية إذا ما كانت إنتقائية تكون خاطئة. فالتراث كان وسيبقى ثنائيا مثله مثل الحاضر، والمستقبل. ونخطئ لو اكتفينا برؤية أحادية.. لأنها وببساطة تكون غير واقعية، وغير صحيحة. هكذا كان الأمر دوما.. وهكذا يتعين علينا أن ندرس الماضي وأن نتعرف على التراث. لكن الأصل الجوهري في الاسلام يقوم على احترام العقل، وعلى ضرورة إعماله. ولأن الرسول محمد (ص) خاتم المرسلين. ولأن الاسلام دين شرع لكل زمان ومكان. ولأن الوحي إنقطع بوفاة الرسول، ولأن إختلاف الازمنة وإختلاف الأمكنة يستلزمان اختلاف التطبيقات فقد شرع المسلمون قاعدة فقهية أساسية تقول «ما يتناهى لا يضبط مالا يتناهى». فاذا كان الكتاب والسنة يتضمنان وفقط قواعد عامة في الاساس، وبلا دخول فى تفاصيل.. ولأن الحياة تتجدد وتتشعب وتختلف يصبح الرجوع إلى «العام» غير كاف لضبط مستجدات الحياة المتجددة دوماً، ومن ثم فقد اضطر الفقه إلى إقرار قاعدة حق العقل فى إبتكار قواعد ملائمة للتعامل والعلاقات. ونشأ: القياس - المصالح المرسلة - القضاء بالقرائن - الاستحسان - الاجماع. وهى جميعا إنسانية المنشأ وبحاجة إلى إعمال العقل. لكن البعض يفسر قول الرسول «أنتم أعلم بشؤون ديناكم» كما يفسر الحق فى إعمال العقل بالقياس والمصالح المرسلة.. والاجماع بأنه حق للمسلمين الأوائل وحدهم.. أما من تلاهم فليس عليهم إلا النقل عنهم. والحقيقة أن ذلك يثير قضية هامة، فاذا قلنا بالأخذ بالاجماع، كان من حقنا أن نسأل إجماع من؟ وإذا قيل الفقهاء سألنا فقهاء أي عصر؟ ومن هو الفقيه؟ وهل نأخذ بإجماع فقهاء المدينة، أم فقهاء بغداد، أم الكوفة، وقد تناقضوا معاً؟ وإذا كانوا قد اجتهدوا للاجابة على مستجدات زمانهم ومكانهم، فماذا عن زماننا ومكاننا نحن؟ لكن البعض يرفض الفقه بمجمله، فيغلق أبواب العقل ويمنع استخدامه. يقول شكري مصطفى «لافقه ولا مصالح مرسلة ولا إستحسان ولا إجماع فقط قال الله وقال الرسول». لكننا إذا تابعنا تصرفات ومواقف الخلفاء الراشدين وهم قادة مسلمي الصف الاول .. وحتى في مسائل حاسمة كالحدود نكتشف أنهم أعملوا العقل لا النقل.. وتصرفوا معملين المصلحة، ولم يتقيدوا حتى بالنص اذا وجدوا فى إعماله إضراراً بمصلحة المسلمين. فقد ووجه عثمان فور توليه الخلافة بامتحان صعب. فإثر مقتل عمر بن الخطاب على يد أبى لؤلوة المجوسى إندفع عبد الله بن عمر إثر مقتل والده فقتل الهرمزان [مسلم فارسى] وجفينة [نصراني] كما قتل إبنه لؤلوة [ذميه].. وثارت قضية إقامة الحد على عبد الله. واختلف الصحابة، علي بن أبي طالب أكد علي ضرورة إعمال الحد وقتل عبد الله قصاصاً. أما عمرو بن العاص فقد أشار بتجنب قتل عبد الله قائلا «لئلا يقول المسلمون قُتل عمرُ بالامس ، وقتل إبنه اليوم». وقدم عمرو بن العاص مخرجاً أو بالدقة تأويلا.. فقال « يا أمير المؤمنين لقد فعل عبد الله ما فعل فور مقتل أبيه وقبل أن نبايعك.. فانت لم تكن قد توليت بعد..» إختلفت الآراء وتصارعت لكن عثماناً حل الأمر على طريقته الارستقراطية فدفع دية القتلى من ماله الخاص.. وأطلق القاتل. ثم يأتي الدور على عثمان فيقتل.. ويبايع علي بن أبي طالب خليفة. «ودخل طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام على علي ومعهم عدد من الصحابة قائلين يا علي إنا قد إشترطنا إقامة الحدود، وان هؤلاء الناس قد إشتركوا فى قتل الرجل». فقال علي:يا إخوتاه، إني لست أجهل ما تعلمون، ولكن كيف أصنع بقوم يملكوننا ولا نملكهم؟ ها هم أولاء قد ثارت معهم عبدانكم، وثابت إليهم أعرابكم، وهم يسومونكم ما شاءوا، فهل ترون موقعي بقدرة علي شيء مما تريدون». وهكذا فإن علي الذي صمم على إقامة الحد على عبد الله بن عمر وجد نفسه فى مأزق صعب، فالثوار يسيطرون على المدينة، ووجد أن إقامة الحد تزيد من ثورتهم فلم يُقم الحد، مما أعطى معاوية فرصة إتخاذ ما اسمى قميص عثمان أي الاحتجاج بضرورة إقامة الحد على قتلته.. ولما تولى معاوية لم يُقمه. ،هكذا فإن إعمال العقل والمصالح المرسلة أوقف فى بعض الاحيان إقامة الحد.. وفيما يتعلق بحد الزنا جاء في القرآن الكريم «الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة» النص واضح وصريح وغير مقيد بشرط، لكنه لم يطبق أبداً كما ورد فى القرآن. بل حدد مطبقوه - وهم بشر- شرطين إضافيين لم يردا فى النص وهما توافر أربعة شهود عدول، ورؤيتهم للعلمية رؤية قاطعة مانعة للشك وكأنه المرود في المكحلة. إنهما شرطان بالغا الصعوبة حتى مجتمع بدوي، المأوى فيه الخيمة والسقيفة فماذا عن زماننا حيث الإقامة فى دور محكمة الإغلاق؟ ألا يتطلب ذلك وضع ضوابط جديدة؟ وكيف نضعها دون إعمال للعقل وللمصلحة؟ أما حد السرقة فإن الفقهاء القدامي إشترطوا لقطع اليد ستة عشر شرطاً منها أن يكون المال المسروق مملوكاً للغير، ولا شبهة شرك فيه، فسارق بيت مال المسلمين لا يُحد أي لا يقام عليه الحد، لأن هناك شبهة أنه مستحق في أموال هذا البيت المملوكة أمواله للمسلمين جميعا، فكيف عندنا بسارق المال العام، ومال القطاع العام، والقطاع التعاوني وفيه شراكة مؤكدة؟. كما أن أحد الشروط ألا يكون المال المسروق في حرز فإن تركت سيارتك في الشارع فهي في غير حرز وسارقها لا يقام عليه الحد، أما أن كسر بابها وسرق الكاسيت يقام عليه الحد لأنه سرق مالا فى حرز. وهكذا تفرض علينا مستجدات الحياة ان نتعامل مع الفقه القديم بحذر، فاتحين عقلنا ووجداننا من أجل فقه جديد ومتجدد. لكن البعض يرفض إعمال العقل.. ويرفض أي خروج عن التقليد والنقل.. ويلجأ هذا البعض إلى الآية الكريمة «ألا له الخلق والأمر» [الاعراف:54]. والآية «قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين» [الانعام:192] لكننا نتأمل الآيتين. له الخلق والأمر، وصلاتي ونسكي ومحياي ومماتي.. ثم يترك ما تبقى للبشر يعملون فيه عقلهم. والمتروك في الاسلام متروك لاستحسان البشر واختيارهم. يقول د. محمد شحرور «ان بعض المتأسلمين يقولون ان خير الازمنة هو الزمن الاسلامى الأول، وأنه أوثقها فى فهم التنزيل، وكأن قوله تعالى «لقوم يعقلون» و«لقوم يفقهون» و«لقوم يتفكرون» قد جاء وقفاً على أصحاب الزمن الاول في الاسلام والناس بعد ذلك تولد وتعيش وتموت دون عقل ودون فقه ودون فكر». خلاصة مقصدنا هو أن نؤكد أن الاسلام دين يحترم العقل ويترك للمسلمين الحق فى إستخدامه في شؤون دنياهم، وحتى فى تجاوز تطبيق بعض الحدود .. وأن المسلمين الأوائل كانوا في كثير من الأحيان الأقرب إلى الفكر العلماني. العلمانية والتأسلم: والتأسلم قديم.. يقول إبن تيمية «كان الصحابة والتابعون من الجيل الاول أصحاب عقل راجح مما جعل الحلول التى وصفوها للمجتمع الاسلامي فى قضايا الدين والدنيا جديرة بالثقة المطلقة التى لا يرقى اليها الشك أو التجريح، وكل رأي يخالف ذلك إنما هو بدعة تستحق المذمة والنكران. أما العقل فلا سلطا لهه فى تأويل القرآن وتفسيره إلا بالقدر الذى يؤدي إليه ظاهر العبارات. وإذا كان للعقل من سلطان فهو فى التصديق والاذعان وتقريب المعقول.. أي أن يكون شاهداً وليس حكماً، مؤيداً وليس ناقضاً«أى ان باب إعمال العقل والاجتهاد قد أغلق، فكيف نصدق انه أغلق؟ وبأي نص أغلق؟ ومن قال إن العقل الراجح كان وفقط وقفا على الصحابة والتابعين من الجيل الاول؟ أما أبو حامد الغزالي فقد دعا إلى قصر علم الكلام على الصفوة وحبذ للعوام الانشغال بالعبادة دون العلم. ويقول إن الوجود ينقسم إلى ثلاثة عوالم:
عالم الملكوت: وهو أسمى العوالم، وهو أزلي، لا يتغير .. وهو عالم الحقائق التى لا تدرك إلا بالحدس الصوفى.
عالم الجبروت: وهو لا يدرك أيضا الا بالحدس الصوفي وهو منزلة بين المنزلتين.
عالم الملك: ويدرك بالحواس. لا مجال للعقل إذن في فهم الوجود، فقط الحدس الصوفي للصفوة، والحواس للعوام. ويواصل أبو حامد الغزالي معركته ضد العقل ويقول «أيها الولد أي شيء حاصل لك من تحصيل علم الكلام والنحو والتصريف غير تضييع العمر؟ .. أيها الولد قد علمت انك لا تحتاج إلي تكثير العلم، والآن أبين لك ما يجب على سالك سبيل الحق، فإعلم انه ينبغي للسالك شيخ مربٍ ليخرج الاخلاق السيئة منه ويجعل مكانها خلقاً حسناً». وكان العصر العباسي في بعض وجوهه وبعض مراحله مصدراً لمعارك ضارية ضد العقل. فالمعتزلة إذ قالوا بخلق القرآن فرضوا رأيهم فرضاً على مخالفيهم، بل وأمروا الولاة بامتحان الفقهاء حتى أُسميت هذه العملية «بالمحنة» فكانوا يستقدمون الفقهاء واحداً واحداً ليجبروهم على القول بما يقولون تحت طائلة الموت أو السجن فكان أن خضع الكثيرون وقالوا بما لا يعتقدون، متخلين عن حقهم فى إعمال عقلهم.. وقد بدأت المحنة الحقيقية عندما قرر الخليفة المأمون أن يفرض قوله بخلق القرآن على الناس فرضاً، بالجدال والالحاح أولا ثم بالاكراه البدني ثانياً. وقد بدأ المأمون بحرمان من ليس على مذهبه من تولي مناصب الدولة، أو حتى من حقه في أن تُقبل شهادته فى أي خلاف، ثم قال «إن القول بقدم القرآن شبه إشراك بالله ومن ثم يجب أن يُرد الناس عن ذلك كما يرد الكافر عن كفره، فإن أبى يُقتل كما يُقتل المرتد، وإذا كان العلماء هم قادة الناس فى هذه العقائد، فيجب أن يُبدأ بهم ، وبتصحيح عقيدتهم، وبعقابهم إن اصروا علي موقفهم، بل بقتلهم أحيانا». ويرسل المأمون كتاباً إلى إسحاق بن إبراهيم يصف فيه مخالفيه «إنهم الجهلة الذين سهلوا السبيل لعدو الاسلام..وليس لمن قال بهذه المقالة حظ فى الدين، ولا نصيب من الايمان واليقين، ولا يحل أحد منهم محل الثقة فى زمانه، ولا عدالة ولا شهادة، ولاصدق فى قول ولا حكاية ولا يتولى شيئاً من أمر الرعية». وإذ يسمع المأمون ان بشراً بين الوليد يرفض القول بخلق القرآن يأمر بسجنه، ثم لا يكتفي بذلك بل يأمر واليه بأن يستدعيه «فإن أصر على شركه ولم يقل بخلق القرآن فإضرب عنقه، وإبعث برأسه إلي، فإن تاب فأشهر أمر توبته». ويرسل بشأن أبي العوام قائلا «إنه سيحسن الجواب فى القرآن إذا أخذه التأديب، فإن لم يفعل كان السيف وراءه». ثم كان الخليفة المتوكل العباسي الذي خاض المعركة ضد المعتزلة، وإستند هذه المرة على من ظُلموا في عهد المأمون.. ومنهم أتباع احمد بن حنبل (164 -241 هـ) وأمر الناس بالتسليم والتقليد وقال «إياكم والقياس، قدم الاسلام لا تثبت إلا على قنطرة التسليم، إياكم والتعمق فإن من كان قبلكم قد هلك به». لقد اعتبروا ما يبدع العقل إبتداعاً، والابتداع بدعة، والبدعة ضلالة، والضلالة فى النار. وفقد العقل قدرته على الفعل، بل أصبح محرماً استخدامه. وكان عصر سيادة التفسير النصي. وقد لجأ الكثيرون للتفسير النصى على أكثر من وجه، يفسرون النص. بمعنى وبعكسه.. ولعل أشهر واقعة لذلك هى ما كان فى المعركة بين على ومعاوية وما كان من التحكيم ورأي الخوارج فيه.. ويروي لنا ابن الاثير الحكاية قائلا:«عندما أوشك جيش ومعاوية على الهزيمة أشار عمرو بن العاص على معاوية أن إرفع المصاحف فوق أسنة الرماح، وأمر الناس أن يقولوا هذا كتاب الله بيننا وبينكم. فإن فعلوا ذلك ارتفع عنا القتال، وإن أبى بعضهم وجدنا فى إفتراقهم راحة..» .. ويرفض علي قائلا:«يا عباد الله، إمضوا إلى حقكم وقتال عدوكم..،فإنهم ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، فأنا أعرف بهم، صحبتهم أطفالا ورجالا فكانوا شر أطفال وشر رجال، ويحكم ما رفعوها الا مكيدة وخديعة»..« فقال بعض صحبه: لا يسعنا أن نُدعى إلى كتاب الله فلا نقبل، بل إن مسعداً بن فدك التميمي وزيد بن حصين التميمي ومعهم مجموعة أخرى قالوا لعلى: «إن الحكم الا لله. أجب إلى كتاب الله وإلا دفعنا برمتك إلى القوم وفعلنا بك ما فعلنا بعثمان» بل هم الذين أصروا على إختيار ابي موسى الاشعري. قال علي لا أرضاه، لكنهم فرضوه عليه. والغريب أن ذات الاشخاص ، وذات الاسماء هم الذين خرجوا ضد علي واُسموا فيما بعد بالخوارج وبرروا خروجهم عليه قائلين: «كنا بالامس نقاتل عمرو بن العاص، فان كان عدلا فلم قاتلناه؟ وإن لم يكن عدلا فكيف يسوغ تحكيمه؟ وأنتم قد حكمتم الرجال فى أمر معاوية وأصحابه، والله تعالى قد أمضى حكمه فيهم : أن يقتلوا أو يرجعوا«والمثير للدهشة انهم إستخدموا لتعزيز قولهم هذا ذات الحجة السابقة، وذات الآية السابقة.. «إن الحكم إلا لله». .. ويمضى أصحاب التفسير النصى إلى آخر مدى. ويروي إبن حزم قصة الصحابي عبد الله بن خباب الذي مضي مع زوجته في طريق به جماعة من الخوارج معلقا المصحف فى عنقه.. فقالوا له : الذي فى عنقك يأمرنا بقتلك. وقربوه من النهر وذبحوه. ويمضى إبن حزم: «وكانت إلى جوارهم ضيعة صغيرة لأحد النصارى وذهبوا إلى صاحبها طالبين ان يبيعهم تمراً. فقال : خذوه بلا ثمن، فرفضوا قائلين: ان الله اوصانا بكم خيراً. فقال النصراني: «عجبا أتقتلون الصحابي ابن خباب، وتقولون انكم تعملون بما أوصى إليكم؟». لكن إستكمال قصة هذه المجموعة من الخوارج هو الاكثر إثارة للدهشة «أقبل واصل بن عطاء فى رفقة له، فأحسوا بالخوارج، وإذ أحس رفقته بالعطب قال«:إعتزلوا ودعوني وإياهم». ولما سأله الخوارج: ما أنت وأصحابك؟ قال: مشركون مستجيرون. فطلبوا منهم الرجوع، فقال ألم تسمعوا بالآية «وإن أحدً من المشركين إستجارك فأجره حتى تُسمعه كلام الله« وبعد ان أسمعوهم كلام الله قالوا لهم إنصرفوا.. فقال واصل: أكملوا الآية. وأكمل لهم: ثم أبلغه مأمنه . فقالوا له: ذلك لكم وساروا معهم فى جمعهم حتى بلغوا المأمن». أليس ذلك غريبا؟. الصحابي الجليل يعلق المصحف في عنقه فيقتلوه. والذي قال انه مشرك يتركوه بل ويحرسوه حتى يبلغ مأمنه. .. وتمضى قصة التفسير النصي لتصل إلى أيامنا هذه.. ولنستمع إلى واحد من متأسلمي زماننا «شكري مصطفى» يقول: «الآية الكريمة تقول: «وأعدوا لهم ما إستطعتم من قوة ومن رباط الخيل..وهذا خطاب موجه للمؤمنين كافة فى أول الزمان وفي آخر الزمان. والقوة كما جاء في الحديث هي الرمي، والخيل هى الخيل، فاذا جاء من يقول ان الخيل لا تصلح الآن، نقول له عندما نقاتل نحن سيكون قتالنا بالسيف والرمى والخيل. وفى الحديث الشريف «الجنة تحت ظلال السيوف» فالجنة هي الجنة والسيف هو السيف، ولم يقل الرسول الجنة تحت ظلال البنادق. سنستخدم السيف لأن وسائل المسلمين وسائل متكررة، والله برحمته وعزته قد برأ أهل الجماعة المسلمه من وسائل الكافرين الحديثة» لكن المثير للدهشة ان شكرى مصطفى عندما اختطف الشيخ الذهبى اغتاله بطلقة من مسدس وليس بالسيف. ويقول شكري مصطفى «العلم الحديث. فتنة. فالغرض من خلق الانسان هو العبادة بالمعنى الحرفي للكلمة» «وما خلقت الانس والجن الا ليعبدون» ومن ثم فإن كل ذرة تعلم يقصد بها غير هذه الغاية أي العبادة، هى ذرة خارجة عن العبودية، مضافة الى التأله في الارض بغير الحق، فالأمة الاسلامية أمة أمية لا تكتب ولا تحسب إلا بقدر الحاجة». بل ان شكرى مصطفى ضد كل أشكال المدنية الحديثة وضد كل مكتشفات العلم ويقول: «يستحيل التوفيق بين تلك المدنية المبهرة وبين عبادة الله. يستحيل التوفيق بين بذل العمر فى صنع هذه المدنية الرائعة، والدنيا العريضة المزخرفة وبين عبادة الله. فهذه المدنية الحديثة ليست سوى صنم معبود أقامه المكر الشيطاني لصرف الانظار عن عبادة الله». ثم يقول فى شماتة «يالها من لحظة رائعة ان يترك الله أعداءه ليبنوا ويؤسسوا ويشيدوا ويرتعوا ويعدوا وينفقوا ثم يأتيهم من حيث لم يحتسبوا فيدمر عليهم ما بنوه وما شادوه، وبقدر بنيانهم يكون دمارهم، وياللحكمة الربانية والكيد المتين». .. ومن آثار التأسلم أيضا تسييس الدين، فى محاولة لاتخاذ الدين سلماً لتحقيق مآرب دنيوية وسياسية وقد ضربنا فى ذلك أمثالا.. ونضرب أخرى. كان معاوية يعد العدة لفرض البيعة لولده يزيد.. فكان أن ردد الحديث «الخلافة بعدي ثلاثون عاما وبعدها ملك عضوض» أحصي السنوات ثم أوقف زيداً بن المقفع في مجلس لبيعة يزيد فقال « خليفة رسول الله هذا، وأشار إلى معاوية. فإن هلك فهذا، وأشار إلى يزيد، ومن أبى فهذا وأشهر السيف في وجوههم».. إنه المُلك العضوض. وكان الأمر فى بدايته ونهايته صراعاً سياسياً على السلطة بين (حزب) بني هشام، و(حزب) بني أمية إتخذ له أو حاول،رداءً دينياً. فقط نتذكر ان يزيد أرسل جنده إلى المدينة حاضنة الرسول لإجبار سكانها على مبايعته بعدما رفضوا، فهزمهم، وأباح المدينة لجنده ثلاثة أيام، وقيل إنهم آتو الحرائر وإفتضوا بكارة ألف بكر من بنات المدينة، ورفض يزيد ان يقبل منهم بيعة المسلمين «نبايعك على كتاب الله وسنة رسوله» فهذه بيعة مشروطة، بل طالبهم ببيعة العبيد «نبايعك» وكفى.. ففيم كان ذلك كله؟ فيم كان كل هذا الحقد والتشفي؟ يزيد أجاب شعراً: ليت أشياخي ببدر شهدوا فزع الخزرج من وقع الأسل لأهلوا وإستهلوا فرحاً ولقالوا ليزيد لا فشل انه ثأر قديم. ثأر هزيمة أبي سفيان فى موقعة بدر. إنه عقاب لسكان المدينة من الخزرج لأنهم وقفوا مع الرسول ضد بني أمية. أرأيتم حقيقة الامر؟ ومن أبرز وقائع هذا الصراع السياسى كانت واقعة قيام المختار الثقفي هو وآلاف جمعهم من مريدى آل البيت ضد الدولة الأموية والدولة الزبيرية رافعاً شعار إعادة الحكم لآل البيت، وإستخدم كل ما لدى أهل الكوفة من ندم لخذلانهم على وبنيه،معلنا أنه يقاتل من أجل منح الخلافة لآخر من تبقى من أبناء علي، محمد بن الحنفية. وارتفع نجم المختار الثقفي وهزم الامويين والزبيرين هزائم منكرة.. وترامت أنباء دعوته للمدينة حيث يقيم محمد بن الحنفية، فشد رحاله هو وآل بيته إلى الكوفة كى يتم تنصيبه خليفة. لكن الأفاق المختار الثقفي كان يريدها لنفسه، وما كان آل البيت ومحمد بن الحنفية سوى ستار لطموحه السياسي، فلما وجد نفسه فى المأزق وقف في الجموع قائلا: إن للامام محمد بن الحنفية علامة لا تخطئ هي أنه إذا ضرب عنقه بالسيف لا يموت..وفهم المسكين إبن الحنفية الحيلة.. وأفلت بنفسه، وهرب. ودوما وجد الحكام من يغطي إستبدادهم برداء دينى.. ونقرأ ما كتب أبو بكر الطرطوشي: «الله سبحانه وتعالى جبل الخلق على عدم الانصاف، فمتى لم يكن لهم سلطان قاهر لم ينتظم لهم أمر، ولم يستقر لهم معاش، ومن الحكم التي وردت في إقامة السلطان، أنه بذاته من حجج الله على وجوده سبحانه، ومن علاماته على توحيده، العالم بأسره فى سلطان الله كالبلد الواحد فى يد سلطان الارض» ويقول «وإذا كان السلطان قاهراً للرعية كانت المنفعة به عامة، وكانت الدماء في أُهبها محقونة، والحرم في خدورهن مصونة، والأسواق عامرة والأموال محروسة». انه درس للحاكم في كيف يتخذ من الدين ستاراً لعسفه وظلمه.
الملف من إعداد: لحسن وريغ- بإشراف عبد الفتاح
|
|