نحن والدعوة... أي إنجاز؟!!
أعمال المسلم فيها الراجح والمرجوح، والفاضل والمفضول.. ولعل أفضل الأعمال، وأولى الأولويات في الوقت الراهن، وقبل وبعد الوقت الراهن: الدعوة إلى الله عز وجل، فهي أزكى عمل يقدمه المسلم لنفسه، ويتقرب به إلى ربه. قال تعالى: (ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين) بل إن الدعوة إلى الله قيام بمهمة الأنبياء، واتباع لخطاهم، واقتفاء لآثارهم وسير على نهجهم ونهج نبينا محمد (ص) وسنته وهو الذي ما أرسله ربه إلا داعيا إليه بإذنه وسراجا منيرا، وأي شرف أعلى من هذا الشرف؟!
وهي ـ أي الدعوة ـ عهد أخذه الله على أهل العلم، قال تعالى: (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه) كما أنها تجديد على مستوى الفرد والمجتمع، واهتمام بأمر المسلمين، ودليل صادق على صلاح المؤمن وصدق إيمانه، فلا إيمان بغير دعوة، ولا صلاح يغير اضطلاع بمهمة التبليغ والإصلاح. فصلاح المسلم لا يكون بتركه المنكر فحسب، بل كذلك بإعانة غيره على تركه والبعد عنه، وذلك تمام الصلاح وذروته..
ولا ينبغي للمسلم أن يتوانى في أداء واجبه نحو الناس من الدعوة إلى الخير والمعروف، والنهي عن الشر والمنكر، وإلا كان الفساد في الأرض وشاع فيها وفشا في غياب سنة التدافع وتعطيل آلتها. قال تعالى: (ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض) وقال: (ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا).
وعلى أمر الدعوة يجب أن تجتمع قلوب وجهود المؤمنين والمؤمنات ذكورا وإناثا، قال تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يامرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويوتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله...). يقول الدكتور سيد محمد نوح: «فإن ذكر الإيمان بالله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وطاعة الله ورسوله بعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليوحي بهذا المعنى كأنما لا ينمو الإيمان بالله، ولا تقام الصلاة، ولا تؤدى الزكاة، ولا تتحقق الطاعة لله ورسوله بصورة كاملة إلا في جو من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر...» (توجيهات نبوية على الطريق، ص 205)...
ولا يخفى على أحد ما للسكوت عن المنكر وتعطيل الدعوة إلى الله من عواقب وخيمة على المسلم في الدنيا والآخرة، وف يالحديث: «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده» وعن عائشة رضي الله عنها قالت دخلت على النبي ص فعرفت في وجهه أن قد حضر شيء، فتوضأ وما كلم أحدا، فلصقت بالحجرة أسمع ما يقول، فقعد على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه وقال: أيها الناس، إن الله يقول لكم مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، قبل أن تدعوني فلا أجيبكم، وتسألوني فلا أعطيكم، وتستنصروني فلا أنصركم» وأوحى الله إلى يوشع بن نون عليه السلام إني مهلك من قومك أربعين ألفا من خيارهم وستين ألفا من شرارهم، فقال: يا رب هؤلاء الأشرار فبال بال الأخيار؟ قال إنهم لم يغضبوا لغضبي وواكلوهم وشاربوهم"...
وإن مما يحتج به بعض المصابين بآفة "السكوت" أنهم يقولون لن يسمع أحد منا وإن تكلمنا، ولن يستجيب لنا مستجيب وإن دعونا. وهؤلاء يجهلون أنه لا يشترط في المغير أن يتيقن أن تغييره المنكر مفض إلى أثر ونتيجة، فإن الله ما كلفنا أن يكون لدعوتنا أثر في الآخرين، قال تعالى: (فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ)؛ وقد كان النبي في الأمم الغابرة يقيم في قومه، فلا يستجيب له إلا القليل، أولا يستجيب له أحد، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال، قال رسول الله (ص): «عرضت علي الأمم فجعل النبي والنبيان يمرون معهم الرهط، والنبي ليس معه أحد» (انظر ص: 91 ـ فقه تغيير المنكر ـ د: محمود توفيق محمد سعد ـ سلسلة كتاب الأمة)...
وهذا عمر بن الخطاب كانوا يقولون عنه: لا يسلم حتى يسلم حمار الخطاب، فلم يكن ما ظنوا فيه وأسلم وهداه الله إلى دينه، فكان من خيرة الصحابة، بل كان إسلامه فتحا وبركة ويمنا ونصرا للمسلمين، بل كان باب حماية لهم لم يكسر ولم يلج منه العدو إلا بعد موته، (انظر: سيد محمد نوح، توجيهات نبوية على الطريق ص 207).
ولا ينبغي ـ بأي حال ـ أن ينظر المسلم إلى الناس نظرة يأس وقنوط، فما عليه إلا أن يلقي كلمته (ألقها يا موسى)، وقد يباركها الله ويجعلها نافعة تسعى. ويفعل المسلم ذلك ليبرئ ذمته، ويقدم عذره أمام ربه فلا يلومه على صمته، وفي ذلك يقول تعالى: (وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا، قالوا: معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون..)...
،مما يجب أن نفطن إليه أن الدعوة إلى الله تكليف ومهمة يتساوى فيها الرجل والمرأة دون تفريق، وليست الدعوة "ذكورية" كما يحلو للبعض أن يفهمها، أو يقزمها. وقد سبقت الآية التي يقول فيها الله عز وجل (والمومنون والمومنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويوتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله) وهي تبين بوضوح واجب التعاون على الدعوة بين الرجال والنساء، إلا أن كثيرا من "الدعاة" أو الأزواج لا يهمهم إقحام نسائهم في واقع الدعوة وأمرها، ولا يرون في المرأة/ الزوجة إلا تلك الطباخة، الكناسة، الغسالة، السجينة بين الجدران، ولا يغضبهم من أمر الزوجات إلا ما فرطن فيه من أشغال البيت، أما تفريطهن في أمر الدين والدعوة فلا ينظرون إليه بعين الاهتمام. يقول الشيخ رفاعي سرور: «واختيار الزوجة يجب أن يكون باعتبار أنه إدخال امرأة في واقع الدعوة، وليس مجرد إدخال امرأة في حياة شخص، وهذه مسؤولية الداعية صاحب الاختيار، وهي مسؤولية ليست بسيطة أو سهلة» (بيت الدعوة، ص: 40)...
وفي الأخير نقول: إن الدعوة من الأمور التي يجب أن نهتم بها ونحدث بها النفس في كل لحظة وفي كل حين، فإننا قد فرطنا في جنبها أيما تفريط، وإن منا من ينكب على نفسه وينكفئ عليها، ويستهلك عمرا وزمنا طويلا في تنظيم حركي، وفي "الجلسات" وفي التكوين والتلقي، ولا يكاد يدعو إلى الله أو يُلقى؟! بل إننا إذا جردنا حصيلتنا وإنجازنا في حقل الدعوة، فسوف نجد الحصيلة تنحسر نحو الصفر... لأجل ذلك ـ ورغم ما ندعيه من صلاح ـ سنحاسب بصمتنا الرهيب ورضانا عما نراه في أهلنا وجيراننا وأصحابنا الذين نآكلهم ونشاربهم ونجالسهم ونرافقهم ولا نكلمهم في أمر الدين، فكيف بنا إذا جاء هؤلاء كلهم يتشبثون بنا يوم القيامة يشكوننا إلى الله؟! اللهم سلم..
المصطفى الناصري
|
|