عندما يتّسع جلباب الشّرع والفقه و يطمع في ارتدائه الجميع
ليتصوّر معي القارئ الكريم أنّ متخصّصا في الفقه أو في الرّياضيات مثلا اقتحم على مجموعة من الأطبّاء مؤتمرهم العلمي وأخذ يجادلهم ويحاجّهم في الطّبّ في أدقّ تفاصيله. كيف ستكون صورته؟، وما سيكون مآله؟. أحسب أنّه في أحسن الأحوال سيُلزم بالسّكوت إذا لم يُطرد خارج القاعة، لأنّ الطّبّ ليس ثقافة عامّة يمكن لأي كان أن يخوض في مواضيعه وإنّما هو علم ناتج عن سنوات طوال من التّكوين المتخصّص الذي يعطي للطّبيب الحقّ في التدخّل في كلّ ماله علاقة بتخصّصه، بل إنّ الطّبيب المتمكّن يُضطرّ أحيانا - إذا كان يحترم نفسه- إلى التزام الصّمت إذا ما تعلّق الأمر بتخصّص طبّي غير تخصّصه.
إنّ هذا المثال يمكن تعميمه على جميع العلوم والتّخصّصات، إذ الأصل أنّ كلّ علم له أهله الذين تفرّغوا لطلبه وندبوا أنفسهم للتّنقيب في دقائق أموره وتفاصيله. فلا ينبغي لمن يحترم نفسه - من غير أهله - أن يتطفّل عليه؛ لأنّ النّتيجة لا يمكن أن تأتي إلاّ مشوّهة، حالُها حال العملية الجراحية التي ينفّذها جزّار على إنسان، مستأنسا بخبرته في تقطيع اللّحم - التي لا ينكرها أحد- ولكنّها لا يمكن بحال من الأحوال أن تسوّغ له الخوض في لحوم البشر.
فلماذا إذا تعلّق الأمر بعلوم الشّرع بدأ الكلّ يدّعي فيه معرفة، وأخذ يجادل العلماء عن غير هدى ولا بصيرة. حتّى سمعنا التي تقول - في القناة الثّانية - : قال الله تعالى: "النّساء شقائق الرّجال"دون أن تعرف لا هي ولا منشّطة البرنامج أنّ هذا الكلام لا علاقة له بالقرآن، وإنّما هو جزء من حديث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في وجوب اغتسال المرأة إذا رأت ماء (أي احتلمت)(1). وعلى كلّ لا خلاف بين المسلمين في أنّ النّساء شقائق الرّجال في الأحكام ولكنّ العبرة من هذا المثال في جرأة البعض على القول في القرآن بغير علم، وهو من أقبح ما يمكن أن يقع فيه الإنسان فقد حذّر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من ذلك إذ قال : " مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ "(2) وقال تعالى : (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا)(3). كذلك رأينا من يريد أن يُلغي أحكاما كثيرة من القرآن لمجرّد أن بعض النّاس لم يحسنوا التّصرّف فيها، مثل الذي يطالب بمنع تعدّد الزّوجات لمجرّد أنّه يتصوّر أنّه قد يتزوّج الفقير الذي لا يكسب قوت يومه بأكثر من زوجة وقد يلد عدّة أطفال ...إلخ من الافتراضات السّخيفة.... وحتّى إذا افترضنا حدوث هذا، فهل من المنطق أن نمنع السّياقة جملة لأنّ أحدا أساء سياقة سيّارته فقتل النّاس بها، أو أن نمنع النّاس من الخروج لمجرّد أنّ سفيها خرج من بيته فارتكب محذورا..... ما هذا المنطق؟ الأصل أنّ ما أباحه الشّرع يبقى على إباحته وتُقدّر الحالات والاستثناءات بقدرها؛ فتُسحب رخصة السّياقة ممّن يسيء استعمالها، ويُحبس السّفيه حتى لا يخرج لإذاية النّاس وهكذا...
يجب أن نعلم أنّه ما جُعل على كلّ حرفة أو مهنة أمناء ومحتسبون إلاّ لمنع التّسيّب والفوضى الذي يسيء إلى سمعة الحرفة أو المهنة بما يحدث من تضييع لحقوق النّاس ومصالحهم. فما بال الشّرع لم يجد له أمناء ولا محتسبين؟ فأصبح مستباحا يعبث فيه العابثون، ويتطفّل عليه المؤرّخ والطّبيب واللساني والحقوقي والجرافي... بل حتّى الأمّي والجاهل في كثير من الأحيان، مع العلم بأنّ ما يحدث من الفساد والفوضى بالتّطفّل على علوم الشّريعة والقول فيها بغير علم لا تُقدّر خسارته بضياع أمتعة النّاس فحسب - كما قد يحدث من جرّاء التّطفّل على تخصّصات كثيرة - بل تُقدّر بخراب الأمّة كلّها ودمارها حين تتبع الذين يكذّبون آيات الله تعالى ويعادونها دون أن يفهموا معانيها، فيعمّهم الهلاك جميعا كما عمّ الأمم التي سلكت هذا النّهج من قبلهم. قال تعالى :(بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ]4 قال ابن كثير: " وقوله "بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولم يأتهم تأويله" يقول بل كذب هؤلاء بالقرآن ولم يفهموه ولا عرفوه "ولما يأتهم تأويله" أي ولم يُحصّلوا ما فيه من الهدى ودين الحق إلى حين تكذيبهم به جهلا وسفها "كذلك كذب الذين من قبلهم" أي من الأمم السالفة" فانظر كيف كان عاقبة الظالمين" أي فانظر كيف أهلكناهم بتكذيبهم رسلنا ظلما وعلوا وكفرا وعنادا وجهلا فاحذروا أيها المكذبون أن يصيبكم ما أصابهم"(5).
وهناك أمر أريد أن أنبّه إليه، وهو أنّ من سمح لنفسه بالخوض في أمور الشّرع دون أن يتوفّر على الوسائل والأدوات العلمية المتخصّصة الضّرورية التي تُسوّغ له ذلك، فإنّه لا يتصرّف في حدود حرّيته، إذ حدود حرّيته تنتهي حيث تبتدئ حرية المجتمع من حوله، كما أنّه لا يمارس حقّا مشروعا، إذ حقوقه لا بدّ أن تراعي حقوق المجتمع من حوله، لأنّه إذا أخطأ فإنّه يضلّ هو ويضلّ النّاس من حوله، فيكون عليه إثمه وإثم أولئك الذين كان سببا في تضليلهم، ولذلك حذّر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من ذلك تحذيرا بليغا إذ قال > مَنْ سَنَّ سُنَّةَ خَيْرٍ فَاتُّبِعَ عَلَيْهَا فَلَهُ أَجْرُهُ وَمِثْلُ أُجُورِ مَنِ اتَّبَعَهُ غَيْرَ مَنْقُوصٍ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا وَمَنْ سَنَّ سُنَّةَ شَرٍّ فَاتُّبِعَ عَلَيْهَا كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهُ وَمِثْلُ أَوْزَارِ مَنِ اتَّبَعَهُ غَيْرَ مَنْقُوصٍ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا <(6) وهذا لا يعني المتطفّل على علوم الشّرع من تخصّصات أخرى فحسب، بل يعني - وربّما أكثر - المتخصّصين في العلوم الشّرعية الذين هم في مرحلة الطّلب، أو الذين رغم شهاداتهم العليا يعلمون - وكلّ واحد أدرى بنفسه - أنّ زادهم وكفاءتهم متواضعة وأنّ جرأتهم على الإفتاء وتصدّر مجالس العلم ومنابره لا تكفي الشّهادات لتبريرها بحال من الأحوال. وأظنّ أنّ تهجّم بعض "المسلمين" على المنظومة الأصولية والفقهية الإسلامية اليوم، إنّما سببه ما وقع من أمثال هؤلاء المتخصّصين من محاولة إضفاء القدسية على آرائهم الاجتهادية حينما لا يجدون من الأصول والأدلّة الشّرعية ما يسندها، وهذا الخطأ أحدث "عقدة السّلطة العلمية" عند الآخر الذي أصبح يتوق إلى أي شيء يحطّم به هذه القدسية، وهو خطأ أكبر، إذ الأصل نزع القدسية عن أقوال هؤلاء دون التّجرّؤ على المنظومة الأصولية والفقهية لأنّها بمثابة العدّة التي لا يمكن الاستغناء عنها في تأصيل واستنباط الأحكام الشّرعية. وإنّ القول بإلغائها أو بنسفها، هو بمثابة القول بإمكانية الاستغناء عن مبادئ الحساب في الضّرب والطّرح والجمع والقسمة ومحاولة الوصول إلى النتائج بدون هذه العمليات، وهذا بطبيعة الحال غير ممكن ولو توفّرت الأرقام الأساسية التي يقوم عليها الحساب.
ولذلك أدعو إلى التزام العدل والإنصاف، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)7، فإذا أساء من أراد أن يفرض آراءه الاجتهادية ويجعلها مقدّسة باسم العلم وباسم الشّرع، فليس من الضّروري أن يخطئ الجميع فيحارب الشّرع في أصوله.ولذلك أقول "لا" لتقديس الآراء والفتاوى كان من كان صاحبها من غير النّبي المعصوم صلّى الله عليه وسلّم. ولكن "لا" أيضا لنقض المنظومة الأصولية والفقهية مع إمكان الدّعوة إلى تجديدها وإعادة إخراجها بما ييسّر التّعامل معها، لأنّ في نقضها نقضا للأصول القرآنية والحديثية التي تأسّست عليها، وتضييعا للجهود العظيمة التي أنفقها العلماء في وضعها. وإلاّ فإنّنا سنسير في اتّجاه تكسير الميزان الذي توزن به الأحكام فيبقى النّاس عرضة لفتنة المفتين الجهّال الضّالّين المضلّين، ويصدق على زماننا - إن لم يكن ذلك صادقا - حديث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا"(8 )
وآن الأوان لأن يبادر العلماء الأكفاء أهل التّخصّص إلى إعادة تحقيق وإخراج وتنقيح أمّهات المصادر التّفسيرية والحديثية والأصولية والفقهية والتّاريخية... وتنقيتها من كلّ ما يمكن أن يكون قد علق بها، لأنّ طبيعة المرحلة التي تعيشها الأمّة الإسلامية تقتضي الإنصاف وقطع الطّريق أمام من يريد نسف هذه المصادر في جملتها. والله من وراء القصد وهو يهدي السّبيل.
ذ. أوس رمال
|
|