IMTIDAD
http://www.imtidad.com
 


الغلو في السنة






الغلو في السنة ومجاوزة الحد المرسوم في الأخذ بنصوصها، موقف وقفه أكثر المسلمين من السنة، لا فرق في ذلك بين علمائهم وعامتهم، وهو غلو وقعوا فيه دون أن يشعروا به، أو يدركوا آفاته وسوء أثره في دينهم، ويتجلى هذا الموقف في عملهم بالحديث الضعيف والموضوع وتعبدهم بما تضمنه كل منهما من أمر ونهي ووعد ووعيد، وهو مسلك يصدق عليه حديث النبي ص الذي يقول "يكون في آخر أمتي أناس يحدثونكم بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم فإياكم واياهم لا يضلونكم"(رواه مسلم) وقوله ص: >من حدث بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين (رواه مسلم).
والحديث الضعيف ما فقد شرطا من شروط الحديث الصحيح،وهو متفاوت في ضعفه، أما الحديث الموضوع فهو الحديث المختلق المكذوب على رسول الله ص وهو مردود غير مقبول باجماع الأمة.

وإنما وقع الخلاف في الأخذ بالحديث الضعيف، فذهبت طائفة من أهل العلم إلى رفض العمل به مطلقا سواء كان ضعفه يسيرا أو شديدا و من هؤلاء يحيى بن معين والبخاري ومسلم وابن حزم وابن العربي من المالكية وغيرهم، وذهبت طائفة أخرى إلى الأخذ به مطلقا في الأحكام والفضائل واعتبروه أقوى من الرأي، ويعزى هذا المذهب إلى أبي داود وأحمد بن حنبل ومن تبعهما، وذهبت طائفة ثالثة إلى العمل به في الترغيب والترهيب وفضائل الأعمال فحسب، ولم ياخذوا به في الأحكام والحلال والحرام، وبهذا المذهب أخذ جمهور العلماء من السلف والخلف.

والمذهب الأول أقرب إلى الصواب، لكونه يبعث على الاطمئنان ويدفع الشك والارتياب، وهو ما أرشد إليه النبي ص إذ قال:( اياكم والظن فإن الظن اكذب الحديث)، (رواه الشيخان) وقال ص: "ع ما يريبك إلى ما لا يريبك"(رواه أحمد والترمذي) والحديث الضعيف يحتمل الصدق والكذب فهو من أجل ذلك ظن لا يقين معه، والعمل به عمل بالظن واعتبار للشك، وقد قال عز وجل (إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا) وقال النبي ص "ذا كان أحدكم في الصلاة فوجد حركة في دبره أحدث أو لم يحدث فأشكل عليه، فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا"(رواه أبو داود) فأمر ص بالغاء الشك ورفضه وعدم اعتباره، ونتيجة لأخذ طائفة من أهل العلم بالحديث الضعيف وعملهم به مطلقا في الأحكام وغيرها ـ على ما رأوه من الاعتبارات ـ انتشرت الأحاديث الضعيفة في كتب السنة والفقة، والتبست بالأحاديث الصحيحة، وطغت عليها حتى صار أكثر ما يروج عند الوعاظ والخطباء من قبيل الأحاديث الضعيفة والموضوعة ـ أيضا ـ ومن أجل ذلك حذر العلماء الناصحون من مجالسة الوعاظ والقصاص كما ذكر مسلم في مقدمة صحيحه.

وسأعرض في هذا المقام نماذج من الأحاديث الضعيفة التي انتشرت في كتب الحديث والفقه وكانت أدلة لأحكام كثيرة جرى العمل بها عند الناس وصارت من المسلمات التي لا ينالها التردد أو التوقف، بينما هي أحكام غير ملزمة ولا يجب الأخذ بها على أحد من المسلمين، بل جلبت عليهم من التشديد والتكاليف الثقيلة ما لم يكتبه الله عليهم ولا جاء به حديث صحيح عن النبي ص، وهي مبثوثة في مختلف أبواب الشريعة وفروعها من طهارة وصلاة وزكاة وغيرها من الأركان والأحكام.
فمما جاء منها في الطهارة، حديث: >إذا صمتم فاستاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشي، وهو حديث ضعيف ومخالف لما ص عن النبي ص إنه كان يستاك وهو صائم دون اعتبار لصباح أو مساء.
وحديث: (يجزئ من السواك الأصابع)، وهو حديث ضعيف وغير موافق للواقع والتجربة، فالأصابع لا تطهر الأسنان ولا تطيب ريح الفم ولا تغني عن السواك شيئا.
وحديث: >إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده< وهذا الحديث لو كان صحيحا لوجب أن يكون موقوفا لا يجب العمل به، لأنه جمع للمريض بين التيمم والمسح والغسل، وهي أحكام لا تجب مجتمعة حتى على الصحيح، فكيف تجب على المريض الجريح الذي رفع عنه الحرج بنص القرآن الكريم، وسبب الحديث أن رجلا أصابه حجر فجشه في رأسه ـ وكان في سفر مع أصحابه فأصبح جنبا فسأل الصحابة هل تجدون لي رخصة في التيمم فقالوا لا نجد لك رخصة وأنت قادر على الماء فاغتسل فمات، فلما أخبروا النبي ص بخبره قال "قتلوه قتلهم الله ألا سالوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال" وهذا القدر من الحديث صحيح كما نص عليه الحفاظ.
أما قوله إنما كان يكفيه الخ فضعيف لا يثبت، ثم إنه مخالف لما تقرر في القرآن والسنة من التيمم للمريض الذي لا يقدر على استعمال الماء، فالتيمم يقوم مقام الماء للجنب والحائض ما دام العذر قائما، ولا موجب بعده لمسح ولا لغسل بعض البدن دون بعض، ومن أجل ذلك عرف الفقهاء الطهارة بأنها وضوء وغسل وبدل منهما وهو التيمم، على أن بعض الفقهاء استندوا إلى هذا الحديث الضعيف في القول بالمسح على العصابة والجبيرة ونحوها مما يلف على الجروح والقروح،وهو تكلف لا موجب له كما تفيده النصوص الصحيحة.
وحديث، (من ترك موضع شعرة من جنابة لم يصبها الماء فعل الله به كذا وكذا من العذاب)، قال علي الذي تنسب إليه رواية الحديث فمن ثم عاديت شعري، والحديث ضعيف،واعتباره والعمل به يبعث الوسواس في المسلم عند الغسل والوضوء لكونه يخاف أن يترك نقطة من بدنه جافة لا يصيبها بالماء مما يجعله يغسل الموضع من بدنه مرتين أو ثلاثا أو أكثر حتى يثبت عنده ثبوتا شرعيا أنه قد استنفد جهده واستبرأ ذمته واستكمل غسل الموضع المشبوه من بدنه، وقد لا يتم له هذا اليقين إلا بعد أن يصرف ماء كثيرا قد يكفي بعضه لغسل تمثال أبي الهول، وقد قال عز وجل: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) وقال: (وما جعل عليكم في الدين من حرج).
وحديث: (لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئا من القرآن).
وحديث: (لا أحل المسجد لجنب ولا حائض)، وكل منهما ضعيف، كما أن كل ما ورد في هذا الباب مما يحرم القرآن والمسجد على الجنب والحائض فضعيف أيضا، وباعتماد الفقهاء لهذه الأحاديث واعتبارهم لماأفادته من الأحكام انتشر العمل بها بين المسلمين منذ عدة قرون وصار محرما عندهم على كل من الجنب والحائض أن يقرأ القرآن أو يحمله أو يدخل المسجد وأيدوا هذا التحريم بقوله سبحانه: (إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لايمسه إلا المطهرون)، وقوله عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا)، معتبرين أن الآية الأولى تحرم مس المصحف على غير المتطهر وأن الآية الثانية تحرم دخول المسجد على الجنب، والحق أن الايتين لا تدل أي منهما على ما ذهبوا إليه، وإنما هو الرأي والتأويل والانتصار لما تقرر في المذاهب الفقهية، أما النظر في المسألة بتجرد وتحرر من التبعية والتقليد فإنه يفضي إلى القول الفصل في حقيقتها الواضحة المنبثقة من أصل الشريعة وروحها التي اعتبرت الإنسان مكرما ومفضلا، واعتبرت المومن طاهرا لا ينجس ومن أجل ذلك كان أهل الكتاب يدخلون المسجد النبوي على عهد النبي ص، فهل يسوغ في العقل أن يدخل الكافر المسجد بدون شرط ولا قيد ولا يدخله المومن إذا كان جنبا ولا المرأة إذا كانت حائضا.
وفي المسألة بحث وتفصيل لا مجال له في هذا المقال.
وحديث: لا يؤذن إلا متوضئ
وحديث: أخذ بلال في الإقامة فلما قال قد قامت الصلاة قال النبي ص أقامها الله وأدامها.
وحديث المغرب عام الأحزاب فلما فرغ قال هل علم أحد منكم أني صليت العصر قالوا ما صليتها فأمر المؤذن فأقام الصلاة فصلى العصر ثم أعاد المغرب.
وحديث: صلى النبي ص فسها، فسجد سجدتين ثم تشهد ثم سلم.
وحديث: كل صلاة لم يقرأ فيها بأن القرآن فهي خداج إلا وراء الإمام.
وحديث: من جمع بين الصلاتين من غير عذر فقد أتى بابا من أبواب الكبائر.
وحديث: قصر رسول الله ص في السفر وأتم
وحديث: اقرؤوا (يس) على موتاكم .
وحديث: تلقين الميت عند القبر
وحديث: لاتكثروا الكلام عند مجامعة النساء، فإنه منه يكون الخرس والفأفأة.
وحديث إذا أتى أحدكم أهله فليستتر، ولا يتجرد تجرد البعيرين، وكلها أحاديث ضعيفة، وقد انبنت عليها في الفقه أحكام كثيرة أخذ بها الناس وصارت عندهم من الواجبات التي لا يجوز تركها أو التهاون بها، وكان في ذلك حرج وتعسير تأباه الشريعة السمحة، كما كان فيه ظهور العمل ببدع ومحدثات لم ياذن بها الله لعباده ولا عمل بها رسوله ص.
والمقصود من هذا السرد السريع لجملة من الأحاديث الضعيفة بعث همة المسلم وإثارة اهتمامه بموضوع الأحاديث الضعيفة والموضوعة ليتبين في أمرها ويكون على حذر فيما يقف عليه أو يسمعه من الأحاديث وأن لا يأخذ إلا بما صح منها، وليعتبر بقول الله عز وجل (فاسألوا أهل الذكر إن كنت لا تعلمون)، وقوله سبحانه: (فاسأل به خبيرا).
وبعد فما عرضناه من المواقف خلال الحلقات الماضية كان أبرز مواقف المسلمين من السنة، وأظهر ما سلكوه من الطرق في الأخذ بنصوصها والعمل بأحكامها، وهي مواقف متفاوتة في البعد من السنة ومختلفة المواقع من الاهتداء بهداها واتباع هديها.
وإن التعرف على هذه المواقف وما يحيط بها من شوائب وشبهات يحمي كل من رعاها حق الرعي من المعوقات والفتن التي تزيغ به عن التشبث الصحيح بسنة النبي ص ويصرف عنه أهواء الضالين وتاويل الجاهلين وانتحال المبطلين، اعتبارا بحديث حذيفة الذي قال كان الناس يسألون رسول الله ص عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد الخير من شر قال نعم قلت وهل بعد ذلك الشر من خير قال نعم وفيه دخن قلت وما دخنه قال قوم يستنون بغير سنتي ويهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر، فقلت فهل بعد ذلك الخير من شر قال نعم دعاة على ابواب جهنم من اجابهم إليها قذفوه فيها فقلت يا رسول الله صفهم لنا قال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، قلت فما تأمرني إن ادركني ذلك قال تلزم جماعة المسلمين وإمامهم قلت فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام قال فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك (رواه الشيخان).

د. محمد الحبيب التجكاني


 
لا يحل دم امرء مسلم إلا بإحدى ثلاث بناء المسجد