بناء المسجد
روى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي حيث أدركته الصلاة ويصلي في مرابض الغنم، قال ثم إنه أمر ببناء المسجد، فأرسل إلى ملأ من بني النجار فجاؤوا، فقال يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا، فقالوا لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله، فقال أنس فكان فيه ما أقول لكم: كانت فيه قبور المشركين، وكانت فيه خرب، وكان فيه نخل. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبور المشركين فنبشت ثم بالخرب فسويت وبالنخل فقطع، قال فصفوا النخل قبلة المسجد قال: وجعلوا عضاديته حجارة وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون ورسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: اللهم لا خير إلا خير الآخرة فانصر الأنصار والمهاجرة (وفي رواية فاغفر بدل فانصر).
وجاء في رواية أخرى أن المكان الذي بنى به الرسول صلى الله عليه وسلم المسجد هو الموضع الذي بركت به ناقته وكان لغلامين يتيمين، وكان أسعد بن زرارة قد اتخذه مصلى قبل هجرة رسول ص إلى المدينة، فأمر الرسول ص أن يبنى في ذلك الموضع مسجدا، ودعا الغلامين -وكانا في كفالة أسعد بن زرارة رضي الله عنه - فساوم رسول الله ص فيه، فقالا: نهبه لك يا رسول الله، فأبى رسول الله ص حتى ابتاعه منهما بعشرة دنانير.
وقد جعلت قبلة هذا المسجد إلى جهة بيت المقدس، وجعل عمده الجذوع، وسقفه بالجريد. وقيل للنبي ص ألا نسقفه؟ فقال: عريش كعريش موسى: خشيبات وتُمام (نبت ضعيف وقصير) الشأن أعجل من ذلك. أما أرضه فقد بقيت مفروشة بالرمال والحصباء.
وقد ظل مسجد رسول الله ص على هذا الشكل دون أي زيادة أو تغيير فيه مدة خلافة أبي بكر رضي الله عنه، ثم زاد فيه عمر رضي الله عنه بعض التحسين، ولكنه بناه على بنائه في عهد النبي ص باللّـــبِــن والجريد وأعاد عمده خشبا، ثم غيّره عثمان رضي الله عنه، فزاد فيه زيادة كبيرة، وبنى جداره بالحجارة...
1 - لقد كان المسجد أول مؤسسة بناها الرسول صلى الله عليه وسلم في الدولة الإسلامية الناشئة، ولم يجعله مجرد دار لأداء الصلوات، بل جعله، علاوة على ذلك، معهدا لتلقين الناس تعاليم الإسلام وتوجيهاته، ومنتدى تلتقي وتتآلف فيه العناصر القبلية التي دخلت في دين الله، والتي طالما نافرت بينها النعرات الجاهلية جرت بينها الحروب الطاحنة، وكان المسجد قاعدة لإدارة جميع الشؤون المدنية والحربية، ومجلسا للتشاور والتباحث في أمور المسلمين وقضاياهم الآنية والمستقبلية. كما كان مأوى يسكن فيه عدد كبير من فقراء المهاجرين الذين لم يكن لهم دار ولا مال ولا أهل ولا بنون.
2 ـ إن روح الانضباط والنظام والتعاون والتكافل والمساواة والعدل، لاتتوفر إلا في جو المسجد. ذلك أن انتظام المسلمين خمس مرات في اليوم في صف واحد بين يدي الله عز وجل، وعلى صعيد مشترك من العبودية للواحد القهار، تزرع في نفوسهم هذه المعاني العالية، وفي المقابل تزيح كل معاني الأثرة والتعالي والأناينة خاصة وأن منهم من كان سيدا ومنهم كان عبدا إلى عهد قريب...
3 ـ تفيد الروايتان جواز اتخاذ القبور الدارسة مسجدا، إذا نظفت وطابت أرضها. قال الإمام النووي معلقا على هذا الحديث: " فيه جواز نبش القبور الدارسة، وأنه إذا أزيل ترابها المختلط بصديدهم ودمائهم جازت الصلاة في تلك الأرض، وجواز اتخاذ موضعها مسجدا، إذا طيبت أرضه ".
4 - لقد كان مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم في غاية التواضع من حيث البناء، ولذا أجاز العلماء تشييد المساجد أي إقامة قواعدها بالحجارة وشبهها مما يزيد من قوة بنائها ومتانة سقفها وأركانها، في حين كرهوا زخرفتها ونقشها بمختلف أنواع الزينة. وعلة هذا الحكم، أن التشييد لا يترتب عنه وصف أو معنى يخل بالحكمة التي من أجلها شرع بناء المسجد، في حين أن الزخرفة والنقش يترتب عنها معنى يخل بتلك الحكمة من صرف لقلوب المصلين عن الخشوع والتدبر والانشغال بمظاهر الدنيا، على حين يقصد من الدخول إلى المسجد الانقطاع عن تلك الصور وإفراغ البال من زينتها ومغرياتها... <
أبو عفاف
|
|